نقرن العلم بالتنمية عبر الأخبار والتحليلات

حول العالم العربي.. استراتيجية للموارد المادية المتجددة
  • حول العالم العربي.. استراتيجية للموارد المادية المتجددة

حقوق الصورة: Flicker/ Arne Hoel / World Bank

نقاط للقراءة السريعة

  • قد تكون الموارد غير قابلة للنفاد، ويمكن استخدامها بلا نهاية إذا ظل معدل استهلاكها في حدود قدرتها على التجدد

  • ثمة حاجة لبلورة منهج رشيد لإدارة التعامل مع الموارد المادية المتجددة انطلاقًا من مفهوم التنمية المستدامة

  • والاستراتيجية مطلوبة بشدة.. فإن لم نتحرك بالتزامن، وننسق بين جهودنا لن تتحقق التنمية

Shares
حول أهميتها من منظور الاستدامة وميزاتها، يطوِّف حامد الموصلي، واضعًا منهجية للتعامل معها، وملامح الاستراتيجية.

لا شك أن أمثالي ممن تلقوا تعليمهم الهندسي في نهاية الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن الماضي يشعرون بأن الدنيا من حولهم قد تغيرت، وأن عالم الأفكار والمفاهيم والقيم التي تحكم النشاط الهندسي قد تبدَّلت.

لقد تربينا على أن الإنتاج بالجملة هو النموذج الواجب الاقتداء به، وأن زيادة معدلات استهلاك الصلب والألومنيوم مؤشر رئيس للتقدم، وأن استخدام المواد المصنعة قرين للمعاصرة، وها نحن الآن نرى من يتحدث عن الإنتاج بالجملة باعتباره مشهدًا تاريخيًّا غير قابل للاستمرار.

بل ونستشعر نظرة تهكمية ينظر بها بعض الباحثين إلى هذا النموذج؛ إذ يرونه إنتاجًا بالجملة فاستهلاكًا بالجملة فمخلفات أيضًا بالجملة؛ أي كماسورة مفتوحة، ويقترحون بديلاً له نموذجًا للإنتاج بلا مخلفات يتم كدورة مغلقة، كما نرى باحثين آخرين يتكلمون عن الطبيعة كمصدر للمواد –أقصد الموارد المادية المتجددة– والمنتجات تجعل الاقتصاد أخضرً ومتناغمًا مع الدورات الطبيعية.

إننا نرى تحولاً صريحًا في اتجاه الإبداع التكنولوجي، أعني من الاتجاه إلى رفع إنتاجية العمالة إلى رفع كفاءة استخدام المواد مما يعرف بالكفاءة الإيكولوجية أو خفض استخدام المواد، كما أن العالم يشهد تحولاً من الاعتماد على الموارد غير المتجددة كالمعادن والموارد التعدينية إلى الاعتماد على الموارد المادية المتجددة، تمشيًا مع مبادئ الاستدامة.

الموارد المادية المتجددة هي تلك الموارد ذات الأصل الحيوي، نباتية كانت أم حيوانية، ووصفها بالمتجددة يتعلق بإمكانية إعادة إنتاجها عبر دورات زمنية قصيرة نسبيًّا


والموارد المادية المتجددة هي تلك الموارد ذات الأصل الحيوي، نباتية كانت أم حيوانية، ووصفها بالمتجددة يتعلق بإمكانية إعادة إنتاجها عبر دورات زمنية قصيرة نسبيًّا، أي يمكن قياسها على مقياس الزمن الإنساني، لذا فرغم الأصل النباتي للفحم والنفط، لا يمكن وسمهما بالتجدد؛ لأنهما لا يتجددان إلا بعد حقب جيولوجية طويلة.

وأيًّا كان أصل الموارد المادية المتجددة، فثَم تنوع كبير للمنتجات الثانوية لهذه الموارد، ولكن للأسف أدت النظرة الاقتصادية السوقية قصيرة النظر إلى تركيز الانتباه على المنتجات الأساسية لهذه الموارد القابلة للتسويق كالمحاصيل النقدية، مما أدى إلى إهمال البحث عن مجالات مفيدة لاستخدام منتجاتها الثانوية، والتي تحولت في كثير من الأحيان إلى عبء على البيئة.

مثالُ ذلك أن يعطي الفدان المزروع ذرة شامية 15 طنًّا في المتوسط: 3 أطنان ذرة (حبوب)؛ و12 طنًّا سيقان (أحطاب) إن لم نجد لها استخدامًا نافعًا تحولت إلى عبء على البيئة.

كذلك اتسع محتوى التقدم التقني ليشمل -بالإضافة إلى عالم الإنتاج– دنيا الاستهلاك؛ فالمطلوب إبداع تكنولوجيات ومنتجات وأنماط استهلاك صديقة للبيئة، ما يسفر عن تخضير نسق الإبداع نفسه.

وهنا تتحتم التفرقة بين المتجدد من حيث الإمكانية والتجدد الفعلي الذي يستلزم التحكم في تأثير الإنسان على المواد (معدل استهلاكها)، وعلى البيئة التي تنمو فيها (مستوى التلوث ومجمل الظروف العضوية والمناخية والجيولوجية التي يتطلبها التجدد) بحيث تتوافر الظروف المواتية للتجدد، ومن الضروري أيضًا التمييز بين معدَّلات التجدد المختلفة وفقًا للنوع أو الفصيلة التي ينتمي إليها المورد.
 
مزايا الموارد المادية المتجددة
 
 
نركز حديثنا فيما يلي على ذات الأصل النباتي. هذه الموارد يمكن أن تكون غير قابلة للنفاد، فهناك إمكانية لاستخدامها بلا نهاية إذا ظل معدل استهلاكها في حدود قدرة الأنساق الإيكولوجية على تجديدها، وإذا توافرت الشروط اللازمة لتجددها من حيث التربة والمناخ الملائم.

ويعني ذلك أن الاستخدام الرشيد للمادة المتجددة يتماشى مع مفهوم التنمية المستدامة، بحيث تلبى احتياجات الحاضر دون المساس بالقدرة على الوفاء باحتياجات أجيال المستقبل.

كما أن الموارد المادية المتجددة تؤدي وظائف إيكولوجية قبل استخدامها إنتاجيًّا، تشمل امتصاص ثاني أوكسيد الكربون وزيادة نسبة الأوكسجين، والمحافظة على التربة، والإسهام في الدورة المائية، وتوفير الموائل للعديد من عناصر التنوع الحيوي؛ النباتي والحيواني، إضافة إلى الظل والجمال والمتعة البصرية والروحية، ما يسميه البعض ’الخدمات الإيكولوجية‘، وهذه يتعين تقدير قيمتها كرأس مال طبيعي.

أضف إلى ذلك أن الموارد المادية المتجددة في متناول أيدي الناس، فهي ليست مركزة في مناطق معينة بل واسعة الانتشار؛ نظرًا لإمكانية نموها في ظروف مناخية وجيولوجية غاية في التنوع. وهذا يجعل لكل مجتمع محلي نصيبًا منها بعيدًا عن تدخل الدولة واحتكار الشركات الكبيرة ومتعددة الجنسيات، لهذا تمثل الموارد المادية المتجددة ركيزة مهمة لتنمية المجتمعات المحلية.

تمثل الموارد المادية المتجددة ركيزة مهمة لتنمية المجتمعات المحلية كونها واسعة الانتشار وغير مركزة في مناطق معنية


وعند المقارنة بالموارد غير المتجددة نجدها أكثر تناغمًا مع الدورات الإيكولوجية عند النظر إليها من منظور دورة الحياة، وذلك عبر المراحل المتتالية لدورة حياتها؛ فهي من ناحية موجودة على سطح الأرض، ويمكن الحصول عليها عادة دون آثار مدمرة للبيئة، على عكس الموارد غير المتجددة التي تُستخرَج عادة بحفر المناجم والآبار، وهي أنشطة تتسبب في تلوث البيئة وتدهور الأنساق الإيكولوجية.

من هذا المنظور يمكن اعتبار الموارد النباتية قاعدة مادية للعديد من الصناعات تخفف الاعتماد على الموارد الأحفورية المصنعة، والتي تسهم في ظاهرة الاحترار العالمي، وفي تلوث الهواء والأرض والماء.

ومن جهة أخرى فإن إنتاج المواد المصنعة من الموارد المتجددة النباتية يحتاج إلى طاقة تقل كثيرًا عن نظيرتها للموارد غير المتجددة، فالأولى تبني خلاياها وتجددها عن طريق التمثيل الضوئي، أي بضوء الشمس وطاقتها. قارن قيم الطاقة الصافية للتصنيع بوحدات GJ/ton عند إنتاج الخشب المنشور والحبيبي والأبلاكاش والصلب والبولي ستيرين والألومنيوم فتجدها 3.1 ، 11.8 ، 16، 23.4 ، 38.2 ، 198.4 على الترتيب.

وأخيرًا، لا آخرًا، تمتاز الموارد المادية المتجددة بأنها قابلة للتحلل؛ أي يمكن استخدامها بعد نهاية دورة حياتها فى تسميد التربة، أو وقودًا في أسوأ الظروف، خلافًا للموارد غير المتجددة والمصنعة، التي يتعين -إن لم يتم إعادة استخدامها– التخلص منها بالحرق مثل البلاستيك، مما ينتج عنه مخاطر بيئية جسيمة (سم الديوكسين مثلاً)، أو الدفن في مقالب، ما لا يتسق والتنمية المستدامة.
 
منهجية التعامل
 
ثمة حاجة لبلورة منهج رشيد لإدارة التعامل مع الموارد المادية المتجددة انطلاقًا من مفهوم التنمية المستدامة، لذا يتعين أولاً وضع تصنيف هرمي لأنماط استخدام هذه الموارد، بحيث تكون المكانة الأولى والأعلى فيه لاستخدام يفسح لمجالات تالية أو أدنى من الاستخدام بعد نهاية حياة الاستخدام الأول. هكذا يمكن تصور ترتيب مراحل الاستخدام مدرجة.

وانطلاقًا من الخواص البنيوية للمورد نحاول اختيار الاستخدام الأول عند أعلى مرحلة ممكنة في مدرج الاستخدام، ويسمى هذا المبدأ بمبدأ التوافق، فمثلاً يفضل أن يكون أول استخدام لجريد النخيل كمكون معماري لمنتجع بيئي (في السُّقف والمظلات).

ثم يجب اعتصار أو استنفاد الإمكانيات التنموية لكل عنصر، بمعنى أن يُستخدم عنصر المورد نفسه استخدامًا ثانيًا بعد الأول، وهكذا عبر حيوات متتابعة من أجل تحقيق الاستفادة الكلية منه.

وهكذا دواليك يجري التعامل مع المورد إعمالاً لمبدأ الاستخدام الشامل له؛ ما يعني أقصى استفادة تنموية وتعظيم القيمة المضافة للمورد، وذلك باستخدام عناصره كافة، سواء بسواء المنتج الأساسي والمنتجات الثانوية.

ثم يجري توطين المراحل الأولى لتشغيل الموارد المادية المتجددة وتصنيعها أقرب ما يكون من مواقع إنتاجها، ما يحقق عدالة توزيع العائد الاجتماعي للنشاط الصناعي بين الريف والحضر، وما يتيح الاستفادة من عناصر المورد القابلة للفساد، وما يجعل العديد من هذه الموارد منخفضة الكثافة قابلة –عن طريق الكبس أو الفرم– للنقل إلى أماكن أبعد لاستكمال التصنيع.
 
ملامح الاستراتيجية
 
الاستراتيجية في أبسط تعريف لها هي علم التنسيق بين محاور الفعل الإنساني المختلفة من أجل ضمان تحقيق الهدف بأعلى فاعلية وكفاءة ممكنتين، فى أقل وقت ممكن.

والتصور الأولي للأطراف المعنية بوضع استراتيجية للتعامل مع الموارد المادية المتجددة وتفعيلها يشمل الوزارات ذات الصلة، مثل الزراعة والبيئة والصناعة، ومؤسسات البحث العلمي والجامعات والشركات الصناعية، والمزارعين ممثلين في الاتحادات والجمعيات، والمستثمرين في الزراعة والأنشطة الصناعية، والتعليم بمراحله المختلفة، ووسائل الإعلام المختلفة، ومؤسسات المجتمع الأهلي المعنية بالحفاظ على الطبيعة وتنمية المجتمعات المحلية.

بناء القدرات العلمية والتكنولوجية فى المجالات المتعلقة بتنمية الموارد المادية المتجددة والصناعات القائمة عليها، هو أحد أهم شروط تحقيق التنمية المستدامة


أول ما تنطوي عليه الاستراتيجية هو تسجيل وحفظ السلالات والأصول الجينية لأصناف مكونات الغطاء الطبيعي كافة النباتي منها والحيواني، وكذلك تسجيل عناصر الإنتاج النباتي والحيواني ملكية فكرية لدول المنطقة؛ فهي نتاج حضاري امتد لآلاف السنين، انطوى على جهود استئناس هذه الموارد وتنميتها.

يلي هذا عمل خرائط بنظام المعلومات الجغرافي GIS لتوزيع الموارد المادية المتجددة؛ أصنافًا وكميات، وصولاً إلى مستوى التقسيم الإداري كالمحافظات والمراكز، مع تحديد موسمية التوافر، وذلك منطق لاختيار المشروعات التي يمكن أن تقوم عليها.

ثم ينبغي التوصل إلى صيغة لتقسيم العمل الإقليمي بين دول المنطقة فيما يتعلق بإنشاء المؤسسات البحثية وإجراء البحث العلمي على الموارد المادية المتجددة، بما يحقق التكامل على مستوى الإقليم، وتعميق التخصص في المجالات البحثية المختلفة.

أمثلة هذه المجالات، مع الصناعات القائمة عليها: زراعة وإكثار النباتات الطبية والعطرية وإقامة صناعات العطور والمستخلصات الدوائية عليها، زراعات نباتات الألياف مثل القطن والكتان وغيرهما، زراعات الحبوب من قمح وشعير وذرة وأرز، صناعات تصنيف وتعبئة وتغليف وتشغيل وتجميد الخضر والفاكهة، تنمية الثروة الحيوانية من أغنام ومعز وجمال وأبقار.

يتبع ذلك بناء القدرات العلمية والتكنولوجية فى المجالات المتعلقة بتنمية الموارد المادية المتجددة (نباتية وحيوانية) والصناعات القائمة عليها، وهو أحد أهم شروط تحقيق التنمية المستدامة، فإن لم تكن بلدان المنطقة العربية قادرة على إبداع التكنولوجيات الملائمة لها وتطويرها بما يناسب مسار التقدم الملائم لها فكيف تتحقق التنمية المستدامة؟

وإنشاء شبكة للمراكز التجارية مع استخدام الإمكانات التي توفرها التجارة على الإنترنت ملمح مهم، وكذلك الاستفادة من المواقع المهتمة بالتجارة العادلة والتجارة الخضراء لتسهيل تسويق منتجات الموارد المادية المتجددة.

وأيضًا إنشاء مخزون لأفضل الممارسات وتداوله على مستوى دول المنطقة فيما يتعلق بأساليب تنمية الموارد المادية المتجددة وتصنيعها.

وإنشاء شبكات على المستوى الإقليمي للتنسيق والتعاون بين روابط المزارعين والمستثمرين في الزراعة، وشركات تصنيع المنتجات المختلفة من الموارد المادية المتجددة.

هذه بعض ملامح استراتيجية التعامل مع الموارد المادية المتجددة في المنطقة العربية، وقد سبقتها المنهجية. وهي مطلوبة بشدة؛ لأننا إن لم نتحرك بشكل متزامن، وإن لم ننسق بين جهودنا على كافة المحاور بحيث تعضد وتؤازر بعضها بعضًا، فلن يتحقق الهدف الذي نسعى إليه بالفاعلية والكفاءة المطلوبة وفي التوقيت المناسب، والهدف المنشود هو التنمية المستدامة.


 * الدكتور حامد إبراهيم الموصلي: أستاذ متفرغ بكلية الهندسة، جامعة عين شمس المصرية. رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية للتنمية الذاتية للمجتمعات المحلية.


هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط
 
 



إعادة نشر المقال:
نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.