نقرن العلم بالتنمية عبر الأخبار والتحليلات

الجمع بين الطب التقليدي والحديث.. حقائق وأرقام
  • الجمع بين الطب التقليدي والحديث.. حقائق وأرقام

حقوق الصورة: Edward N. Johnson/US Army Photo/Flickr

نقاط للقراءة السريعة

  • أربعة أخماس الأفارقة والآسيويين يستخدمون علاجات تقليدية لأغراض الرعاية الصحية الأولية

  • دمج معارف الطب التقليدي في منظومة الرعاية الصحية الحديثة مهمة صعبة

  • وإذا تضافرت الجهود لبلوغ هذا يمكن إطلاق صحوة في مجال البحوث الصحية والتنموية العالمية

Shares
 يعيش الطب التقليدي صحوة جديدة. لآلاف السنين، قام الناس في جميع أنحاء العالم بمعالجة المرضى بعلاجات مشتقة من الأعشاب أو الحيوانات، بوصفات وبطرق توارثتها الأجيال. وفي أفريقيا وآسيا، لا يزال 80% من السكان يستخدمون العلاجات التقليدية بدلًا من وسائل الطب الحديث لأغراض الرعاية الصحية الأولية.
 
وفي الدول المتقدمة، يكسب الطب التقليدي قبولًا متزايدًا. وتشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى 80% من السكان قد جرّبوا علاجًا تقليديًّا مثل الوخز بالإبر. ووجدت دراسة استقصائية أجريت في وقت سابق من هذا العام أن 74% من طلاب الطب في الولايات المتحدة يعتقدون أن الطب الغربي سيستفيد من دمج العلاجات والممارسات التقليدية أو البديلة.[1]
 
وتبلغ قيمة هذه الصناعة مبالغ طائلة. في عام 2005، بيعت أدوية تقليدية في الصين بقيمة 14 مليار دولار أمريكي. وفي عام 2007، شهدت البرازيل عائدات بقيمة 160 مليون دولار أمريكي من العلاجات التقليدية- مما يمثل جزءًا من السوق العالمية التي تبلغ قيمتها أكثر من 60 مليار دولار أمريكي.[2، 3]
 
سعي حثيث إلى الأدوية
 
والحقيقة أن الطب الحديث يعاني نقصًا حادًّا في العلاجات الجديدة؛ فالأمر يستغرق سنوات حتى يمر دواء جديد من خطوات البحث والتطوير إلى مرحلة التصنيع، كما أن التكلفة هائلة. وبالإضافة إلى ذلك، فقد أدت مقاومة الجراثيم للأدوية الناجمة جزئيًّا عن إساءة استخدام الأدوية، إلى جعل العديد من المضادات الحيوية وغيرها من العقاقير المنقذة للحياة غير مُجدٍ.
 
يعني كل من هذين الاتجاهين أن العلماء وشركات الأدوية يبحثون بشكل عاجل عن مصادر دوائية جديدة، كما تتجه أنظارهم إلى الطب التقليدي بشكل متزايد.
 
أدى عدد قليل من الانتصارات الكبرى إلى إثارة الاهتمام بالطب التقليدي بوصفه مصدرًا لأدوية ناجحة للغاية ومربحة في الوقت نفسه. ويتمثل أشهر هذه العلاجات في الأرتيميسينين، الذي يُستخدم لعلاج الملاريا (انظر الإطار 1).

الإطار 1: الأرتيميسينين: أنجع أدوية الطب التقليدي
إن الأرتيميسينين، الذي يُستخرج من نبات الشيح الحَوْلي، هو المادة الفعالة لأكثر الأدوية المضادة للملاريا فاعلية التي عرفها العالم على الإطلاق.

سمع الباحثون الغربيون بهذا المركّب لأول مرة في ثمانينيات القرن العشرين، برغم أنه يُستخدم في الصين منذ القِدم لعلاج الملاريا. لكن الأمر استغرق حتى عام 2004 قبل أن تؤيد منظمة الصحة العالمية استخدامه في جميع أنحاء العالم. نتج معظم هذا التأخير بسبب الشكوك التي اكتنفت هذا العقار، ومن ثَم فقد قضت مجموعات بحثية مختلفة عدة سنوات للتحقق من صحة ادعاءات المعالجين التقليديين الصينيين.

يُثبت الأرتيميسينين فائدته ضد أمراض أخرى أيضًا، فقد أظهرت الأبحاث أن له إمكانات كبيرة في علاج السرطان وداء المنشقّات (مرض البلهارسيا). لكن الدواء العجيب يظهر أنه غير منزه عن الخطأ ويبدي علامات القابلية له. تُشير التقارير الواردة من جنوب شرق آسيا إلى أن طفيل الملاريا أصبح مقاومًا للعلاج بالأرتيميسينين لدى البعض.

وفي جميع أنحاء العالم، تتضافر جهود الباحثين وصنّاع القرار وشركات الأدوية والمعالجين التقليديين لجلب الطب التقليدي إلى القرن الحادي والعشرين. وفي بعض النواحي، نجد الأمر متحققًا بالفعل؛ فنحو ربع الأدوية الحديثة مشتق من منتجات طبيعية، وكثير منها كان يُستخدم أولًا في العلاجات التقليدية (انظر الجدول 1).
الجدول 1: أدوية حديثة مختارة مشتقة من الطب التقليدي [4]
العققار استخدامتاته يُستخرج من الاستخدام الأصلي
أرتيميسينين مضاد للملاريا عشبة تشينغ هاو الصينية، أو الشيح الحلو  يُستخدم في الطب الصيني التقليدي لعلاج البرد والحمى
كروموجلايكات الوقاية من الربو مركّب صناعي مشتق من الخِلّين، وهو العنصر النشط لنبات الخِلّة 
العلاجات الشرق أوسطية التقليدية للربو. كما استُخدم الخلين في مصر تقليديًّا لعلاج حصيات الكلى
إيتوبوسيد مضاد للسرطان مركّب صناعي مشتق من البودوفيلوتوكسين، الذي ينتجه نبات اليَبروح علاجات مختلفة في الطب الشعبي الصيني، والياباني، والشرقي
هيرودين مضاد للتخثّر الغدد اللعابية في دود العلق، والتي تُنتج حاليًّا بالهندسة الوراثية استُخدم في العلاجات التقليدية في جميع أنحاء العالم، من طب الشوي زي في الصين إلى طب القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في أوروبا
لوفاستاتين خافض للكولستيرول وجد في أطعمة مثل الفطر المحاري وأرز الخميرة الحمراء
يُستخدم في تخليق مركبات أخرى، مثل: الميفاستاتين والبرافاستاتين
يُستخدم الفطر في علاج مجموعة واسعة من الأمراض في الطب التقليدي في الصين، واليابان، وأوروبا الشرقية، وروسيا
الأفيونيات مسكّن بذور الخشخاش غير الناضجة استُخدم في الطب التقليدي العربي، والصيني، والأوروبي، والهندي، وفي شمال أفريقيا؛ لتسكين الآلام وعلاج مجموعة من الأمراض، من ضمنها الإسهال، والسعال، والربو
الكينين مضاد للملاريا لحاء شجرة الكِينا العلاجات التقليدية للحمى والرعدة في أمريكا الجنوبية
قلويات العناقية
(فينكريستين، فينبلاستين)
مضاد للسرطان نبات العناقية الوردية علاجات شعبية مختلفة في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك استخدامها كعامل مضاد لداء السكري في جامايكا، ولعلاج لسعات الدبابير في الطب التقليدي الهندي، وغسول للعين في كوبا، ومقوّ جنسي بأوروبا في العصور الوسطى



تحديث التقاليد

لكن جعل الطب التقليدي ممارسة منتشرة حقًّا -عن طريق دمج معارفه في منظومة الرعاية الصحية الحديثة، وضمان كونه يلبي معايير السلامة والفاعلية الحديثة- ليس بالمهمة السهلة، إضافة لكونها بعيدة عن الاكتمال.
 
وهناك قلق متزايد بين دعاة الحفاظ على البيئة من أن السوق المتنامية للأدوية التقليدية تهدد التنوع البيولوجي، من خلال الإفراط في جني النباتات الطبية، أو زيادة استخدام أعضاء الحيوانات المهددة بالانقراض، مثل النمور ووحيد القرن والفيلة.
 
وبغض النظر عن استدامة الموارد الطبيعية، فإن المزاوجة بين الطب التقليدي والحديث تواجه العديد من التحديات التي تنبع من الاختلافات الأساسية في كيفية ممارسة، وتقييم، وتدبير كل منهما (انظر الجدول 2).

الجدول 2: الاختلافات الرئيسية بين الطب التقليدي والطب الحديث
  الطب الحديث الطب التقليدي
حماية المعرفة محمي ببراءات الاختراع وصول مفتوح
التركيبة محدّدة سلفًا، وبمجرد اختبارها في التجارب السريرية لا يمكن تغييرها إلا إذا تمت إعادة اختبارها مخصّصة، من خلال التشاور مع المريض
التنظيم صارم للغاية، لدرجة أن طرح دواء جديد في الأسواق يكلف الآن مليارات الدولارات لا يوجد تقريبًا، برغم أن بعض البلدان يحاول تطبيق قواعد ومواصفات قياسية
الاختبار تجارب صارمة تُجرى على مراحل مختلفة؛ إذ يتم أولًا اختبار السلامة، ثم الفاعلية لا توجد اختبارات رسمية، إذ إن المعرفة بفاعلية العلاجات تُتوارث عبر الأجيال
الجرعة جرعات ثابتة، لا تختلف إلا قليلًا، وفقًا للعمر أو الوزن، أو شدة المرض غير ثابتة: قد تكون كمية الدواء المعطَى مماثلة تقريبًا، لكن كمية العنصر الفعال (وهو ما يمثل الجرعة الفعلية) يمكن أن تختلف بشكل كبير
المشاورات تميل الاستشارات في الرعاية الصحية الأولية والثانوية إلى أن تكون قصيرة ومركزة، خاصة وأن النظم الصحية الوطنية تتعرض للعديد من الضغوط مطوّلة، إذ تُطرح على المريض مجموعة واسعة من الأسئلة التي تتجاوز مجرد الاستفسار عن الأعراض التي يشعر بها
التدريب مهني في كثير من الأحيان: يخضع المتخصصون في الرعاية الصحية لتدريب رسمي في مدارس الطب، والكليات والجامعات طلب كل من النظامين الطبيين، التقليدي والحديث، تدريبًا مطولًا على مدى سنوات عديدة، ولكن في الطب التقليدي، غالبًا ما يجري نقل المعرفة خلال الأسر من شخص إلى آخر ، وكثيرًا ما يولد الممارسون لعائلة من المعالجين


الحماية والقرصنة

 من بين الاختلافات الأشد وضوحًا بين الأدوية التقليدية والحديثة، نجد الحماية القانونية الممنوحة للمعرفة. تاريخيًّا، ظل ممارسو الطب التقليدي يتشاركون معارفهم وخبراتهم بحرية -مما يسمى ’الوصول المفتوح‘ قبل أن تتم صياغة المصطلح أصلًا. ومن الناحية الأخرى، يخضع الطب الحديث لقوانين صارمة حول الملكية الفكرية ونظام متطور للغاية لبراءات الاختراع، التي تُستخدَم لحماية المعارف المتعلقة بالأدوية أو التقنيات الطبية.

ومع تزايد معرفة الباحثين الغربيين بتلك الثروة المعرفية المخزنة في أنظمة الطب التقليدي، واشتداد الحاجة إلى إيجاد أدوية جديدة، بدأ العديد من العلماء بحثهم عن مصادر طبيعية للأدوية الجديدة: وهو مصطلح يطلق عليه ’التنقيب الأحيائي‘.

وفي بعض الحالات، سعى الباحثون للحصول على براءات اختراع لحماية مركبات دوائية سبق أن استُخدمت طوال قرون لعلاج الأمراض. ومن الأمثلة على ذلك منح براءة اختراع في عام 1995 لأحد الأدوية المضادة للفطريات، المشتق من شجر أزداريشتا الذي يشيع استخدامه في العلاجات التقليدية الهندية. وفي هذا السياق، منح مكتب براءات الاختراع الأوروبي براءة اختراع لوزارة الزراعة الأمريكية والشركة متعددة الجنسيات WR Grace and Company. وقد أقنعت الحكومة الهندية المكتب الأوروبي لبراءات الاختراع بإلغاء البراءة على أساس الاستخدام السابق لتلك المادة، لكن الأمر استغرق خمس سنوات وملايين الدولارات.

وقد أُطلق على هذا النهب للموارد المحلية المتاحة بالمجان اسم ’القرصنة البيولوجية‘، ويعد مثالًا قويًّا على التحديات التي تواجه الجهود الرامية لتعميم استخدام الطب التقليدي.

وقد حاولت بعض المناطق معالجة المشكلة عن طريق سن قوانين لحماية المعارف الأصلية. وعلى سبيل المثال، ففي العام الماضي قامت مقاطعة كوسكو في بيرو بحظر استغلال الأنواع المحلية لتحقيق مكاسب تجارية، بما في ذلك منح براءات الاختراع للجينات أو غيرها من الموارد التي تحتوي عليها الأشجار.

ومن جانبه، فإن المجلس الهندي للأبحاث العلمية والصناعية يأخذ نهجًا أكثر واقعية في سد تلك الفجوة. ففي عام 2001، أطلق المجلس مكتبة رقمية للمعارف التقليدية. وصار بوسع المكتب الأوروبي لبراءات الاختراع استشارة قاعدة بيانات متعددة اللغات، تضم 24 مليون صفحة، حول العلاجات التقليدية والنباتات الطبية قبل منح براءات الاختراع.

وهناك العديد من البلدان الأخرى التي لديها قواعد بيانات مماثلة، أو تفكر في إنشائها؛ لحماية مواردها المحلية، مثل الصين، وغانا، وماليزيا، ونيجيريا، وجنوب أفريقيا، وتنزانيا، وتايلاند، وبعض الدول في الشرق الأوسط.

تنظيم العلاجات

وبالإضافة إلى الاختلافات بين أنظمة المعرفة المحلية والغربية، فإن على الجهود الرامية إلى تعميم استخدام الأدوية التقليدية أيضًا أن تواجه الفروق الكبيرة فيما يتعلق بالتنظيم. كل بلد له سلطة وطنية مختصة بالأدوية بصورة أو بأخرى، ومسؤولة عن إدارة الأدوية الحديثة وتنظيمها ووضع السياسات الدوائية.

أما المشكلة مع الطب التقليدي فهي أنه كثيرًا ما يختلف معناه باختلاف المتلقي؛ فمن الممكن تصنيف نبات طبي واحد غذاءً، أو مكملًا غذائيًّا، أو دواءً عشبيًّا، وفقًا للمكان الموجود فيه.

وقد وجد استطلاع أجري في عام 2005 في الدول الأعضاء بمنظمة الصحة العالمية أن 84- 90 دولة (حوالي 60%) ليس لديها سياسات وطنية، أو قوانين أو لوائح لتنظيم الطب التقليدي (رغم أن أكثر من نصف هذه الدول قد اقترح وضعها) [5]. وفي كثير من الأحيان، فإن هذه تكون أكثر البلدان استخدامًا للعلاجات التقليدية (انظر الشكل 1).

الشكل 1: تنظيم ممارسة الطب التقليدي في جميع أنحاء العالم [5]
figure 1 traditional medicine

وبالإضافة إلى ذلك، فإن البلدان التي لديها تشريعات منظّمة للطب التقليدي تنتهج مقاربات مختلفة لترخيص العلاجات التقليدية، وصرفها، وتصنيعها، وتداولها.

بيد أن عدم وجود تنظيم يعني أن عدد العلاجات الوهمية والممارسين المدّعين يماثل عدد المعالجات الحقيقية، الأمر الذي قد تكون له نتائج قاتلة. وعلى سبيل المثال، ففي منطقة شينجيانج الويغورية ذاتية الحكم في الصين، توفي شخصان العام الماضي، ونُقل تسعة إلى المستشفى بعد تناول دواء تقليدي وهمي لعلاج داء السكري، بغرض خفض نسبة السكر في الدم.[6]

وطوال معظم العقد الماضي، عكفت منظمة الصحة العالمية على وضع الأدلة الإرشادية والمعايير التقنية الدولية؛ لمساعدة البلدان على صياغة السياسات والأنظمة اللازمة لتنظيم الأدوية التقليدية.

أوقات الاختبار

إذا كان تنظيم الأدوية التقليدية والغربية يختلف، فكذلك تفعل أساليب تقييمها واختبارها.

تخضع الأدوية الحديثة لسلسلة صارمة من الفحوصات المخبرية والتجارب السريرية قبل أن تُطرح في الأسواق. لقد طوّر الطب الحديث طرقًا قوية لإثبات فاعلية الأدوية، واختبار سلامتها، وتقييس ممارسات التصنيع الجيدة.

وفي المقابل، لا يُجرى إلا قليل من الاختبارات العلمية لتقييم منتجات الطب التقليدي وممارساته. وكذلك فإن اختبارات الجودة ومعايير الإنتاج تميل إلى أن تكون أقل صرامة أو خضوعًا للرقابة؛ وفي كثير من الحالات، قد لا يكون الممارسون حاصلين على أية شهادات أو تراخيص.

وبطبيعة الحال، يرى بعض الباحثين أن إخضاع الأدوية -التي تمت تجربتها واختبارها على آلاف من الأشخاص طوال عقود أو قرون- لنفس العراقيل التي تخضع لها مادة كيميائية جديدة تمامًا ليس بالأمر الملائم. لكن يتفق الكثير على أنه قبل وضع الطب التقليدي في الإطار المعمول به، فإن الأمر سيحتاج إلى إعادة تقييم شاملة.

وفي بعض الحالات، يعني هذا تعديل الأساليب المعيارية بحيث يمكنها التعامل مع القضايا الأخلاقية التي لا تنشأ مع تطوير العقاقير المعهودة. وعلى سبيل المثال، أشار الباحثان الأمريكيان جون تيلبورت وتيد كابتكوك إلى أن التجارب السريرية للأدوية التقليدية يجب أن تتبع قواعد مختلفة فيما يتعلق بالأخلاقيات البحثية (انظر الإطار 2).[7]
الإطار 2: أصول أخلاقيات البحث العلمي للتجارب السريرية على الأدوية التقليدية *
1. وجود حاجة اجتماعية مبرّرة للبحوث

إن الأساس المنطقي لاختبار دواء من فئة الطب التقليدي ضمن تجربة سريرية لا يمكن أن يكون مجرد أنه يُستخدم بالفعل كعلاج. يجب أن تكون هناك حاجة اجتماعية وبعض الأدلة المبدئية على أن الدواء المعني لن يُضاد سلبًا عمل الأدوية الأخرى المستخدَمة لعلاج المرض نفسه. بيد أن أصحاب المصلحة المختلفين يعرّفون الحاجة الاجتماعية بطرق مختلفة- وعلى سبيل المثال، فقد ترغب إحدى الحكومات في منع أي طرف آخر من تسويق العلاج، في حين أن النشطاء في مجال الصحة قد يرغبون في إجراء التجارب السريرية في محاولة لإنتاج أدوية أفضل.

2. وجود تعاريف مناسبة لمعايير الاشتمال والإقصاء، وللمقاييس المتعلقة بالنتائج

تختلف المفاهيم المتعلقة بالصحة والمرض بين الطب الحديث والتقليدي. وعلى سبيل المثال، فإن الباحثين الغربيين قد يصنّفون قصور القلب في المرضى وفقًا لتصنيف جمعية نيويورك لطب القلب؛ في حين أن ممارسي الطب الصيني التقليدي يرون قصور القلب نقصًا في طاقة ’يانج تشي‘ بالقلب أو في طاقة ’يانج‘ للكليتين، ومن ثم يصنفون المرضى على أساس النبض أو فحص اللسان. وسيحتاج الباحثون القائمون على اختبار معالجة عشبية لقصور القلب إلى أخذ معايير كل من الطب الحيوي والطب الصيني التقليدي بعين الاعتبار لكي تكون النتائج صالحة من كلا المنظورين.

3. تصميم بروتوكولات مبتكرة

إن الأدوية التي تُطرح في الأسواق من خلال إخضاع الأدوية التقليدية للتجارب السريرية يجب أن تُختبَر على نحو صارم، وبالتالي فإن الباحثين بحاجة إلى التفكير مليًّا في أفضل السبل لتصميم البروتوكولات البحثية المتعلقة بها. قد لا تكون المنهجيات المعيارية مناسبة للتطبيق على دواء يحتوي على مزيج من المكونات النشطة، أو على العلاجات التي يتباين استخدامها بين الممارسين. لكن إجراء التعديلات على البروتوكولات المعيارية من شأنه أن يستوعب العديد من هذه القضايا. وعلى سبيل المثال، من الممكن أن تكون التجارب العنقودية العشوائية الخاضعة لمراقبة دقيقة للغاية، وفي الوقت نفسه تسمح للممارسين بالاختلاف في تطبيقها.

4. وضع معايير للسلامة والبراهين

إن الألفة بالأدوية التقليدية، واستخدامها على نطاق واسع، قد يسبب انحياز بعض الباحثين نحو منحها تصنيفًا جيدًا فيما يتعلق بالسلامة. هناك حاجة إلى أخذ جانب الحذر في المراحل المبكرة، وذلك فيما يتعلق بتحديد متطلبات السلامة.

* بتصرف من تحليل أخلاقي أجراه جون تيلبورت وتيد كابتكوك.[7]
متغيّرة بطبيعتها

إذا نحينا القضايا الأخلاقية، فقد يكون من الصعب للغاية تطبيق الأساليب الحديثة -التي وضعت لاختبار العقاقير المعيارية- على مجموعة من المنتجات المتنوعة بطبيعتها، التي تستخدم كأدوية تقليدية.

يُصنع العديد من الأدوية التقليدية عن طريق سحق أوراق أو لحاء النباتات والأشجار، ومن ثم فإن المزيج الناتج قد يحتوي على مئات الجزيئات المحتملة الفاعلية. ويتسم تحديد هذه المواد بصعوبته البالغة- كما أن اختبار كل واحدة منها من حيث السلامة والفاعلية يعد مستحيلًا من الناحية العملية.

وعلى عكس العديد من المستحضرات الدوائية الحديثة، فإن جودة المواد المصدرية للأدوية التقليدية تتباين بدرجة كبيرة، حتى داخل كل بلد منفرد. وينطبق هذا سواء بسبب الاختلافات في المادة الوراثية المستخدمة أو بسبب العوامل المتغيرة الأخرى مثل الظروف البيئية، وطرق الحصاد، والنقل والتخزين.

وتتباين الجرعات بالمثل؛ إذ يتطلب الطب الحديث جرعات معيارية تميل إلى التفاوت وفقًا لوزن الجسم أو شدة المرض فقط، في حين يكون المعالجون التقليديون أقرب احتمالًا لإعطاء مرضاهم جرعة فريدة من نوعها أو مزيجًا من الأدوية التي لا يتم إعدادها إلا في أثناء التشاور مع المريض، والمبنية على الأعراض التي يعانيها. ولذلك فقد تكون نتائج التقييم المتدنية ناتجة عن أي عدد من العوامل- من الاستخدام غير الصحيح للنوع الخطأ من النبات، إلى التلوث بالمواد السامة في أثناء التخزين، ووصولًا إلى الجرعات المفرطة. بيد أنها لا تُشير بالضرورة إلى أن الدواء المرشح غير ملائم للتطوير إلى دواء حديث.

صدام الثقافات

وبالمثل، إذا ما اعتُبر أن ثمة دواء تقليدي غير فعال سريريًّا وفقًا للمعايير الحديثة، فهذا لا يعني أنه لا يمكن استخدامه علاجًا. فالمعالجة المثلية (المداواة بالداء)، على سبيل المثال، يبدو أنها فعالة على الرغم من أن مئات التجارب السريرية تشير إلى أنها لا تُحدث أي تأثير حيوي. ويعتقد كثير من العلماء أن هذا يمثل تأثير الغُفْل بالدواء المموه، والناتج من كون ممارسي المعالجة المثلية يقضون في الاستماع لما يقول مرضاهم وقتًا أطول بكثير مما يفعل الأطباء التقليديون.[8]

ولكن في حين أن تأثير الدواء الغُفْل قد يكون مفيدًا بكل تأكيد، فكثير من الباحثين يرون أنه من غير الأخلاقي أن تصف علاجًا غير فعال سريريًّا من أجل تحقيق هذه الفائدة.

ثم إن هناك مسألة مزج الأدوية التقليدية مع الأدوية الحديثة؛ إذ يمكن لمنظومة المعتقدات المصاحبة للطب التقليدي أن تتداخل أحيانًا مع العلاجات الحديثة. وفي عام 2009، قام كومانان ويلسون وزملاؤه، في جامعة تورونتو بمقاطعة أونتاريو الكندية، بمراجعة المعوقات التي تعترض سبيل علاج الملاريا في أفريقيا، وذلك في مقال نُشر في مجلة BMC للصحة الدولية وحقوق الإنسان.[9]

وفي أفريقيا وحدها، يقدّر ضحايا الملاريا بنحو مليون شخص، أكثر من 90% منهم أطفال دون سن الخامسة. وفي هذا السياق، وجد فريق ويلسون أن الاعتماد على الأدوية التقليدية والمعتقدات الثقافية المرتبطة بها -مثل فكرة أن الطفل المصاب باختلاجات قد تلبّسته الأرواح الشريرة أو سكنت جسده، وأنه سيموت إذا نُقل إلى المستشفى- يمثل عائقًا رئيسيًّا أمام المعالجة الفعالة للملاريا.

وفي العديد من الدراسات التي قام الفريق بمراجعتها، ذكر المستجيبون للاستطلاعات أن العلاجات التقليدية، مثل العلاج بالأعشاب، كانت تُستخدم كخط أول للعلاج- أي قبل الأدوية الحديثة.

تقنيات جديدة لعلاجات قديمة

جارٍ حاليًّا تطبيق التقنيات العلمية الجديدة أيضًا على الطب التقليدي في البحث عن أدوية حديثة. ويُلحَظ أن هذه الأساليب المبتكرة تتطور بسرعة فائقة (انظر الجدول 3).

الجدول 3: كيفية صنع أدوية حديثة من المركبات التقليدية [10]
التقنية العملية
علم الأدوية العكسي يبدأ الباحثون بالمنتج النهائي، وليكن أحد المركبات الفعالة سريريًّا، على سبيل المثال، ويجرون أبحاثهم بصورة عكسية للتعرف على محتوياته وكيفية عمله. ومن الممكن لهذه الطريقة أن تزودهم بأدلة حول كيفية عمل أدوية بعينها، وحول مواقع عملها في الجسم.
الفحص عالي الإنتاجية يعتمد هذا الفحص المتقدم على المعالجة عالية السرعة للبيانات، وعلى مكاشيف حساسة تقوم بإجراء الملايين من الاختبارات الكيميائية الحيوية، أو الوراثية، أو الدوائية خلال بضع دقائق. ويمكن لهذه العملية أن تحدد بسرعة تلك المركبات النشطة التي تؤثر على مسارات حيوية بعينها.
علم الأدوية الإثني الدراسة المنهجية لكيفية استخدام مجموعات إثنية محددة للنباتات الطبية.
بيولوجية الأنظمة تهدف هذه المقاربة الشمولية إلى فهم الطريقة التي تتفاعل بها المواد الكيميائية وعمليات الأيض المختلفة داخل الجسم. وباعتبار أن الأدوية التقليدية كثيرًا ما تحتوي على العديد من المكونات النشطة، فمن الممكن استخدامها في قياس استجابة كامل الجسم لمزيج من المركبات.
وفي الهند، تعاون المجلس الهندي للأبحاث العلمية والصناعية مع العديد من الشركاء من القطاعين العام والخاص لإجراء تجارب سريرية على المنتجات العشبية المنتجة بطرق الفارماكولوجيا العكسية. وفي هذا السياق، يقول المجلس إن ذلك أدى إلى قبول أوسع للأدوية الأيورفيدية التقليدية، كما يعد بتوفير أدوية أرخص، وأسرع، وأكثر فاعلية.[10]

وفي أفريقيا، قام العلماء في مركز الطب التقليدي والبحوث الدوائية التابع للمعهد الكيني للبحوث الطبية باختبار آلاف النباتات، على أمل العثور على مواد فعالة جديدة مضادة للملاريا (انظر: تحويل النباتات إلى حبوب دوائية في كينيا). وقد توصل الفريق إلى بضعة خيوط واعدة، برغم أن أيًّا منها لم يثبت حتى الآن كونه فعالاً بما فيه الكفاية لمتابعة إنتاجه كدواء يرشح.

إحراز تقدم

من المؤكد أن عملية دمج الطب التقليدي في مجال الرعاية الصحية الحديثة يؤخذ على محمل الجد من قِبل بعض أكبر الهيئات البحثية في جميع أنحاء العالم. ففي عام 2007، وُجد أن 62 بلدًا يضم معاهد وطنية للطب التقليدي- بعد أن كان عددها لا يزيد على 12 في عام 1970.[11]

وعلى سبيل المثال، فإن معاهد الصحة الوطنية الأمريكية تضم منظمة تُدعى المركز الوطني للطب البديل والتكميلي، بلغت موازنته لهذا العام 128.8 مليون دولار أمريكي.

يقوم المركز الوطني للطب البديل والتكميلي بتمويل البحوث التي تسعى للتعرف على الكيفية التي يمكن بها للوخز بالإبر (الإبر الصينية)، أو المكملات العشبية، أو التأمل، أو المعالجة بتقويم العظام أن تساعد في علاج حالات مرضية مثل السرطان، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والاضطرابات العصبية.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن البلدان النامية ذات التاريخ القديم في الطب التقليدي تسعى لإيجاد طرق لتحديث تراثها الطبي. ففي الصين، تُمارَس مهنتا الطب الحديث والتقليدي جنبًا إلى جنب في كل مستوى من مستويات منظومة الرعاية الصحية. وتمنح الحكومة وزنًا متساويًا لتطوير كلا المنظومتين، كما أن الصين لديها أوساط بحثية كبيرة ونشطة حول ’الطب التكاملي‘.

وفي أمريكا اللاتينية أيضًا، يعمل العديد من البلدان على توفير الرعاية الصحية الحديثة والتقليدية جنبًا إلى جنب (انظر: يجب أن يعمل تحديث الطب التقليدي لمصلحة السكان المحليين).

وبدورها، فإن الحكومات الأفريقية، وضمنها حكومتا غانا ونيجيريا، تطرح حملات تثقيفية، وتدشّن تقنيات لمكافحة التزوير، بحيث تتمكن من مراقبة توريد الأدوية على نحو أفضل. وكذلك فإن مبادرات مثل الشبكة الأفريقية للابتكار في مجال الأدوية ووسائل التشخيص تشجّع الاستفادة من الطب التقليدي.

وبالتالي، نجد أن الطب التقليدي لديه الكثير مما يقدمه للصحة العالمية، خاصة أن الحاجة إلى أدوية جديدة لم تكن قَط أشد إلحاحًا مما هي عليه الآن. فإذا تضافرت القدرات البحثية لكل من البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء في صيغة للتعاون العادل، يمكن لتلك التقنيات العلمية الجديدة إطلاق صحوة في مجال البحوث الصحية والتنموية العالمية.

التحليل  منشور بالنسخة الدولية يمكنكم مطالعته عبر العنوان التالي: 

Traditional medicine for modern times: Facts and figures

- See more at: http://www.scidev.net/global/medicine/feature/traditional-medicine-modern-times-facts-figures.html#sthash.ntzcnQfC.dpuf

Traditional medicine for modern times: Facts and figures

- See more at: http://www.scidev.net/global/medicine/feature/traditional-medicine-modern-times-facts-figures.html#sthash.ntzcnQfC.dpuf

المراجع

[1] Molly Meri Robinson and Xiaorui Zhang The world medicines situation 2011 (WHO, 2011)
[2] WHO traditional medicine strategy 2014-2023. (WHO, 2013)
[3] Talkmore Ngarivhume and others Medicinal plants used by traditional healers for the treatment of malaria in the Chipinge district in Zimbabwe (Journal of Ethnopharmacology, 2015)
[4] Bertrand Graz and others To what extent can traditional medicine contribute a complementary or alternative solution to malaria control programmes? (Malaria Journal, 2011)
[5] Sahdeo Prasad and Amit Kumar Tyagi Traditional medicine: the goldmine for modern drugs (Advanced Techniques in Biology and Medicine, 2015)
[6] Hashim Ghalib The hunt for the next Artemisinin (TDR News, 2007)
[7] Duncan Graham-Rowe Biodiversity: endangered and in demand (Nature, 2011) [get nature link]
[8] Stepha McMullin and others Trade in medicinal tree and shrub products in three urban centres in Kenya (Forests, Trees and Livelihoods, 2012)
[9] Rachel Wynberg and others (eds) Indigenous peoples, consent and benefit sharing: lessons from the San-Hoodia case (Springer, 2009)
[10] Ryan Abbott Documenting traditional medical knowledge (World Intellectual Property Organization, 2014)
[11] Anand Chaudhary and Neetu Singh Intellectual property rights and patents in perspective of Ayurveda (Ayu, 2012) 
[12] Ethel Chitindingu and others A review of the integration of traditional, complementary and alternative medicine into the curriculum of South African medical schools (BMC Medical Education, 2014)
[13] José O Rivera and others Use of herbal medicines and implications for conventional drug therapy medical sciences (Alternative and Integrative Medicine, 2013)
[14] Jon Tilburt and Ted Kaptchuk Herbal medicine research and global health: an ethical analysis (Bulletin of the World Health Organization, 2008)
[15] Bhushan Patwardhana and Ashok D. B. Vaidya Natural products drug discovery: Accelerating the clinical candidate development using reverse pharmacology approaches (Indian Journal of Experimental Biology, 2010)
[16] Alan Harvey and others The re-emergence of natural products for drug discovery in the genomics era (Nature Review Drug Discovery, 2015) [get link from Nature?]
[17] Caroline da Rosa Traditional medicine and complementary/alternative medicine in primary health care: the Brazilian experience In: Oreste Capelli (editor) Primary Care at a Glance – Hot Topics and New Insights (InTech, 2012)  
إعادة نشر المقال:
نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.