نقرن العلم بالتنمية عبر الأخبار والتحليلات

الربط بين العلم وحقوق الإنسان.. حقائق وأرقام
  • الربط بين العلم وحقوق الإنسان.. حقائق وأرقام

حقوق الصورة: Flickr/ EU/ECHO Pierre Prakash

نقاط للقراءة السريعة

  • قد تساعد تقنيات المعلومات والاتصالات في إحقاق حق الوصول إلى المعرفة العلمية

  • مقاربات حقوق الإنسان قادرة على ربط الابتكار العلمي بمعارف السكان الأصليين

  • وليست محض أبعاد أخلاقية للسياسات، بل قد تشكل قلب التطورات المستقبلية المستدامة

Shares
يوجز إس. موخرجي المقاربات القائمة على حقوق الإنسان المتصلة بالعلم والتكنولوجيا والتنمية 

تسعى المقاربة القائمة على حقوق الإنسان للعلوم والتكنولوجيا والتنمية إلى وضع الاهتمام بحقوق الإنسان في القلب من كيفية تعامل المجتمع الدولي مع التحديات العالمية الملحة. دخل المصطلح إلى معجم الأمم المتحدة في عام 1997، مع دعوة أمين عام الأمم المتحدة إلى دمج حقوق الإنسان في تفويض الأمم المتحدة، وإدارتها، ومنهجياتها المتعلقة بالتنمية والتعاون الدولي.

ويعرّف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هذه المقاربة على أنها تلك التي "تؤدي إلى نتائج أفضل وأكثر استدامة من خلال تحليل ومعالجة أوجه عدم المساواة، والممارسات التمييزية، وعلاقات القوة الجائرة التي كثيرًا ما تقع في قلب المشكلات التنموية. وهي تضع استحقاقات حقوق الإنسان الدولية الخاصة بالناس ("أصحاب الحقوق") ومطالباتهم، والالتزامات المترتبة عليها من قبل الدولة ("المضطلع بالمسؤولية") في مركز النقاش الدائر حول التنمية الوطنية، كما أنها توضح الغرض من تنمية القدرات".[1]

وعلى أية حال، فما من تعريف مقبول عالميًّا للمقاربات القائمة على حقوق الإنسان.[2] ولا يعني هذا بالضرورة أن المفهوم يفتقر إلى المعنى أو المبنى. بل إنها تضع إطارًا لمواجهة القضايا العالمية المهمة -من أنواع التحيز المتعلقة بنوع الجنس فيما يتعلق بسلامة الغذاء والماء، إلى أوجه إساءة استخدام العلوم والتكنولوجيا- كما أنها ترتكز إلى مجموعة من المبادئ، التي تم التوصل إليها من خلال توافق دولي (انظر الإطار 1)، والتي توضّح العلاقة بين "أصحاب الحقوق" و "والمضطلع بالمسؤولية".[3]

يجادل كثير من علماء السياسات الدولية بأن المقاربات القائمة على الحقوق تساعد المنظمات غير الحكومية ومنظومة الأمم المتحدة على إعادة التوجه نحو بناء القدرات، بالبعد عن العمل الخيري ذي الصفة الاحترافية؛ إذ إنها تَعِدُ بتدخلات مستدامة وبتقليل الاعتماد على المساعدات، كما تعين في إعادة تعريف مسؤوليات السلطات الحكومية، والجهات الفاعلة المحلية، والمنظمات غير الحكومية، ومنظومة الأمم المتحدة.[4]

وبالنسبة للعلوم والتكنولوجيا، تستلزم تلك المقاربة من العلماء أن يتجاوزوا مجرد المعرفة بكيفية ارتباط أبحاثهم بحقوق الإنسان، ومن ثم تطالبهم بالسعي جاهدين لضمان حقوق الإنسان وتأكيدها من خلال المعرفة التي ينتجونها. وعلى سبيل المثال، فإن المقاربة القائمة
على الحقوق في الدراسات المتعلقة بالفيروسات- من حيث احتمال وضع إطار أخلاقي لتوجيه الأبحاث في أثناء تطورها- لن تؤدي إلا إلى دفع حدود العلوم الطبية، ومن ثم السعي لتحقيق منافع طبية، لكنها بفاعلية، تتفادى احتمال صنع أسلحة بيولوجية جديدة. وهنا يظهر سؤال حول ما إن كان ذلك من مسؤولية علماء الفيروسات (من خلال الإسهام في المناقشات المتعلقة بالاستخدام المزدوج للفيروسات، على سبيل المثال) أو المجتمع العلمي بشكل عام.

يؤكد منظور حقوق الإنسان أيضًا على أن الوصول إلى المعلومات العلمية هو أحد حقوق الإنسان (المادة 27 (1) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، انظر الإطار 1).[5] ويعني هذا أنه ينبغي تقاسم الفوائد المترتبة على التقدم العلمي علنًا، وأن تكون خالية من القيود المفروضة من قبل الفئات الاجتماعية، أو الشركات التجارية، أو الدول. وقبل كل شيء، فإن المقاربات القائمة على الحقوق في العلم تسعى إلى تهيئة الظروف الملائمة للمشاركة العادلة في المجتمع العلمي العالمي، والوصول العادل إلى المعلومات وفوائدها.

وبصفة عامة، تعترف المقاربات القائمة على حقوق الإنسان بأن العلم يمثل نشاطًا بشريًّا يجري تنظيمه اجتماعيًّا، ويحمل قيمة عالية، ويتشكّل بفعل الهياكل والإجراءات التنظيمية. ويتساءل العلم عن الكيفية التي يمكن بها للحكومات وأصحاب المصلحة الآخرين وضع وتنفيذ السياسات اللازمة لضمان السلامة، والصحة وسبل العيش؛ من أجل تضمين احتياجات الناس وأولوياتهم في الاستراتيجيات التنموية والبيئية، وضمان مشاركتهم في صنع القرارات التي تؤثر على حياتهم ومواردهم. 
 

الإطار 1: الوثائق التي تتضمن أو تتمركز حول المقاربات القائمة على حقوق الإنسان تجاه العلم، والتنمية، والتكنولوجيا، ومبادئها الرئيسية: 

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 27): يؤكد حق كل فرد في الإسهام في التقدم العلمي والمشاركة والاستفادة من نتائجه، وأن تجري حماية مصالح الجميع من إساءة استخدام العلوم.

 

يندرج الحق في الانتفاع بفوائد العلم ضمن إطار "الثقافة"، ولذلك فعادة ما تتم دراسته من منظور الحقوق الثقافية. وعلى أية حال، فإن اللجنة العالمية لأخلاقيات المعارف العلمية والتكنولوجيا (كوميست)، وهي هيئة استشارية مستقلة تابعة لمنظمة اليونسكو، تعمل على تقييم الآثار المترتبة على المادة 27 من حيث علاقتها بأخلاقيات العلوم والتكنولوجيا.[5،6]

 

توصية منظمة اليونسكو بشأن أوضاع المشتغلين بالبحث العلمي لعام 1974 (المادة 4): تؤكد أن كافة التطورات المتحققة في المعارف العلمية والتكنولوجية ينبغي أن توجّه فقط نحو ضمان رفاهية المواطنين العالميين، وتدعو الدول الأعضاء إلى وضع البروتوكولات والسياسات اللازمة لرصد وتأمين هذا الهدف.[7]

 

يُفترض من البلدان إظهار تضمينها للعلوم والتكنولوجيا في السياسات التي تهدف إلى ضمان مجتمع أكثر إنسانية وعدلًا. تتم مراقبة هذه الخطوات من قِبَل الدول الأعضاء في منظمة اليونسكو، وذلك خلال الاجتماع نصف السنوي للمجلس التنفيذي للمنظمة. وخلال عام 2012، قامت الدول الأعضاء بإعادة تقييم كيفية تنفيذ المادة 4، بغية تحديث نطاقها وسبل مراقبتها.[8]

إعلان اليونسكو بشأن العلوم واستخدام المعارف العلمية- سنة 1999 (المادة 33): ينص على أن "اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تعتبر العلوم وتطبيقاتها عناصر لا غنى عنها من أجل التنمية. وينبغي للحكومات، على كافة مستوياتها، وللقطاع الخاص، تقديم دعم متزايد لبناء قدرات علمية وتكنولوجية كافية ومتكافئة، من خلال استحداث برامج تعليمية وبحثية ملائمة، كأساس لا بد منه لتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسليمة بيئيًّا. ويعتبر هذا الأمر ضرورة عاجلة بالنسبة للبلدان النامية على وجه الخصوص".[9]

يشمل هذا الإعلان قضايا مثل الإنتاج الخالي من التلوث، والاستخدام الفعّال للموارد، وحماية التنوع البيولوجي وهجرة العقول أو نزيف الأدمغة. وجارٍ إعادة النظر في سبل المراقبة ضمن جهد أوسع لإعادة تقييم التوصية الصادرة في عام 1974 بشأن مكانة البحث العلمي. وتشمل الهيئات الحكومية وأصحاب المصلحة المهتمين بمراقبة وتنفيذ هذا الإعلان: اللجنة العالمية لأخلاقيات المعارف العلمية والتكنولوجيا، واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيُّر المناخ (UNFCCC)، والمجلس الدولي للعلوم (ICSU).

الوثائق الأخرى ذات الأهمية بالنسبة للمقاربات القائمة على حقوق الإنسان تجاه العلم، والتكنولوجيا، والتنمية:

* العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية (1966) [10]

* إعلان التقدم والإنماء في الميدان الاجتماعي (1969) [11]

* الإعلان الخاص باستخدام التقدم العلمي والتكنولوجي لصالح السلم وخير البشرية (1975) [12]

* الإعلان العالمي للأخلاقيات الحيوية وحقوق الإنسان (2005) [13]

* إعلان داكار (2007) [14]

* إعلان القاهرة (2006) [15]

صدامات ثقافية

لا تخلو المقاربات القائمة على حقوق الإنسان من المنتقدين. وفي الواقع، يأتي انتقاد قوي لها من المنظرين وواضعي السياسات التنموية في الجزء الجنوبي من الكرة الأرضية، والذين يؤكدون على الأصول ذات التوجهات الأوروبية والغربية لحقوق الإنسان، وكيف أنها تتعارض جذريًّا مع وجهات النظر الدينية والاجتماعية غير الأوروبية. وبالتالي فإن الأنظمة الفكرية البديلة، والتي غالبًا ما تحبّذ الشمولية والمجتمع على "الذات"، تتشكك في مثل هذه المقاربات، وكثيرًا ما تنظر إلى المطالبات المنادية للاعتراف بحقوق الإنسان باعتبارها مجرد استراتيجية أخرى لإخضاع المواطنين في جنوب الكرة الأرضية من خلال فرض ما يعد ’إنسانيًّا‘ و’الحقوق‘ الفردية على ثقافات تكافح من أجل الاعتراف بهذه المفاهيم.

وبالتالي، فهل ينبغي لنا أن نؤيد مقاربات تتشكّك فيها بعض المجتمعات التي تهدف إلى إفادتها؟ وفي حين أنها نبعت دون شك عن سياقات اجتماعية وسياسية محددة للغاية في أوروبا خلال القرن الثامن عشر، فإنه لا ينبغي نبذها بهذه البساطة. وعلى سبيل المثال، فمن الخطأ التأكيد على أن حملات حقوق الإنسان لم تؤدّ سوى إلى منافع محدودة في مناطق النزاع، أو القول بأن جذورها الأوروبية تنفي قدرتها على إحداث تغيير اجتماعي إيجابي. وبدلًا من ذلك، فإن التحدي يكمن في كيفية استكشاف مقاربة حقوق الإنسان التي يمكنها أن تساعد في تعزيز معارف الشعوب الأصلية والمحلية؛ كيف يمكن لها تمكين الحوار بين المعتقدات المتنافسة التي تدّعي الأطراف التي تعتنقها أنها عالمية، وكيف يمكن إقامة الجسور بين الأشكال التقليدية والمبتكرة للعلوم والتكنولوجيا.

طريق ذو اتجاهين

إن العلوم الجيدة، واحترام حقوق الإنسان، يعتمد بعضها على بعض بدرجة كبيرة. وعلى سبيل المثال، يعتمد العلماء على حقوق الإنسان من أجل حماية حريتهم العلمية الخاصة- الأمر الذي يتيح لهم تعزيز رفاهية وحقوق الإنسان من خلال أبحاثهم.[16]

وبالإضافة إلى ذلك، فمن الممكن للعلوم والتكنولوجيا أن تتسبب في أضرار جسيمة للنظم الاجتماعية والإيكولوجية التي تعتمد عليها الحياة. وعلى سبيل المثال، من الممكن أن تستخدم التقنيات العسكرية لتقويض الحرية والعدالة؛ كما أن التقنيات الجديدة، مثل تكنولوجيا النانو أو الهندسة الجيولوجية، يمكن أن تدعو إلى التشكك حتى في مسألة ما يعنيه أن نكون بشرًا. ويمكن للمقاربات المتعلقة بحقوق الإنسان تسليط الضوء على التأثيرات الأخلاقية المترتبة على التقنيات الحديثة، ودراسة الكيفية التي يمكن بها للسياسات أن تتماشى مع العلوم السريعة التطور.

ومن ناحية أخرى، تعمل العلوم والتكنولوجيا أيضًا على تعزيز التنمية وحتى تلبية حقوق الإنسان (الإطار 2). ويمتد هذا إلى تقنيات المعلومات والاتصالات (ICTs)، باعتبارها أدوات يمكن أن تيسّر الوصول إلى المعرفة العلمية. يتسارع تأثير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على الممارسة الديمقراطية من خلال شبكات الحكومة الإلكترونية وتلك الاجتماعية، على سبيل المثال.[17] لكن استخدام أدوات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات يمكن قمعه من خلال الرقابة أو عدم كفاية التنمية- مما يؤدي إلى الفجوات الرقمية التي تجلب أشكالاً جديدة من الاستبعاد. ويوضح هذا كيف يمكن للمقاربات القائمة على حقوق الإنسان أن تدعم المطالبات بالاستخدام العادل والفعّال لتقنيات مثل تلك المتعلقة بالمعلومات والاتصالات.
 

الإطار 2: قضايا ناشئة: التقنيات الجيو-مكانية 

هناك طريقة أخرى تتقاطع فيها العلوم والتكنولوجيا مع قضايا حقوق الإنسان، ألا وهي استخدام التقنيات الجيو-مكانية، والتصوير بالأقمار الصناعية، ونظم تحديد المواقع الجغرافية لتحديد انتهاكات حقوق الإنسان ومتابعتها. ومن شأن هذه التقنيات أن توفّر وصولاً إلى المناطق النائية من العالم، وتوفر كلًّا من معلومات جديدة ووسيلة قوية لنشرها؛ لأغراض المناصرة، أو النقاشات السياسية، أو التقاضي.

وعلى سبيل المثال، فقد أنشأت منظمة العفو الدولية مشروع العلم لخدمة حقوق الإنسان، والذي تستخدم فيه التقنيات الجيو-مكانية بفاعلية للوصول إلى مناطق الصراع وجمع الأدلة البصرية بطرق جديدة.[18] وتوضح دراسة منظمة العفو الدولية الصادرة مؤخرًا عن سوريا، والتي حملت عنوان "عيون على سوريا"[19] مدى اتساع نطاق هذه التقنيات التي يمكنها تتبّع عمليات الإعدام غير القانونية، وحالات التعذيب، وتدمير الممتلكات، وذلك بقدر كبير من الدقة.

ومن الممكن أن يكون لهذه المقاربة تأثير هائل على التناول القانوني لانتهاكات حقوق الإنسان وعلى القانون الدولي. لكن مكانة البيانات الجيو-مكانية في المحاكم الدولية والوطنية لحقوق الإنسان، والأسئلة المتعلقة بمَن يقوم بجمعها، ومَن يقرأها، ولأية أغراض، تحتاج كلها للتمحيص. ووفقًا للقائمين على المشروع في الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم (AAAS)، والتي أكدت بدورها أهمية التقنيات الجيو-مكانية، فإن العلماء، والمنظمات والمناصرين بحاجة للعمل المشترك مع مجتمع التكنولوجيا لمناقشة التداعيات، ومن ثَم تحديد الأماكن التي قد تكون بحاجة إلى الأدوات الجيو-مكانية.[20]

العلاقة بعلم الأخلاق

حتى الآن، لا يكتسب الحق في العلم وفوائده أهمية محورية بالنسبة لأخلاقيات التنمية (وهو المجال المعني بالتأثيرات البشرية والاجتماعية للتنمية). ويرجع هذا جزئيًّا إلى أن باحثي أخلاقيات التنمية يفضلون استخدام لغة المبادئ، التي تعتبر مناسبة لبناء القدرات، أكثر من لغة الحقوق، المبنية على الاهتمامات القانونية.[21]

لكن القضية الأكبر هي ما إن كانت المقاربات القائمة على حقوق الإنسان مفيدة للأخلاقيات التنموية، وبأية طريقة. إلى حقوق مَنْ يُشير المصطلح؟ هل يمكن ملاءمة التركيز على الأفراد ليتناسب مع واقع العمل التنموي على مستوى المجتمع المحلي؟

وتنطبق الأسئلة نفسها على أخلاقيات العلوم والتكنولوجيا، والتي لم تتم بعد صياغة مقاربة موحدة لعلاقتها بحقوق الإنسان. وعلى أية حال، فإن إعلان اليونسكو حول الأخلاقيات البيولوجية وحقوق الإنسان يشكل مَعلَمًا مهمًّا فيما يتعلق بربط المقاربات القائمة على حقوق الإنسان بالآثار الأخلاقية المترتبة على التحول التكنولوجي السريع. ويستلهم صراحة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي يقر بأن القضايا الأخلاقية يجب أن تُدرس من منظور الحقوق، في حين يشير إلى أن "الصحة [بالمعنى الواسع للرفاهية وتلبية الاحتياجات] لا تعتمد فقط على تطورات البحوث العلمية والتكنولوجية، ولكن أيضًا على العوامل النفسية-الاجتماعية وتلك الثقافية".[14]

مبادئ السياسات

يمكن لمقاربة لحقوق الإنسان من حيث علاقتها بالسياسات أن تؤثر على العديد من مجالات العلوم، والتكنولوجيا، والتنمية، بما في ذلك تغيّر المناخ، والإسكان، وإنتاج الطاقة، وإزالة الغابات، والوصول إلى المياه العذبة، والحرب البيولوجية، والترصّد، والصحة العامة، وقضايا المساواة بين الجنسين. وبالإضافة إلى ذلك، فهي تقع في صميم النقاشات حول إنشاء اقتصاد عالمي "أخضر" [الإطار 3].

وفي هذا السياق، ينبغي أن يكون أحد المبادئ الأساسية للسياسات التركيز على تأمين حقوق الإنسان، وتوضيح الإجراءات المطلوبة من كل من أصحاب الحقوق والمضطلعين بالمسؤولية من أجل القيام بذلك. وبشكل ملموس، يتطلب هذا من كل من واضعي السياسات وأصحاب المصلحة التيقّظ لكيفية قيام السياسات التي يضعونها بإصلاح أوجه الضعف البشري وعدم المساواة البشرية، وفي الوقت نفسه ترسيخ آليات فعالة للتصدي لانتهاكات حقوق الإنسان. وعلى المستويين الوطني والجيو-سياسي، فمن شأن المقاربات القائمة على حقوق الإنسان أن تمنح للفئات المعرضة للخطر سلطة أكبر في المحادثات الدائرة حول السياسات العالمية؛ كما أنها تحمل واضعي السياسات على معالجة تلك الجوانب من القوة الاقتصادية والسياسية العالمية التي تهيئ الظروف التي تسمح بانتهاك حقوق الإنسان.
 

الإطار 3: مجتمعات خضراء أم اقتصادات خضراء

تتسم المقاربات القائمة على الحقوق في مجال العلوم والتكنولوجيا والتنمية بارتباطها الوثيق بالسعي المستمر لزيادة الاستدامة العالمية. وفي هذا السياق، فإن رسالة منظمة اليونسكو لمؤتمر ريو +20، والتي حملت عنوان "من الاقتصادات الخضراء إلى المجتمعات الخضراء"، سعت إلى إعادة توجيه الحكمة التقليدية حول مستقبل الاستدامة، من خلال القول بأنه بالنظر إلى رسوخ الاقتصادات داخل المجتمع، فإن تحقيق التنمية المستدامة يتطلب أكثر من تقنيات منخفضة الانبعاثات الكربونية واستثمارات صديقة للبيئة. وهي تدعو إلى

سياسات مرتكزة على حقوق الإنسان، والتي تأخذ في الحسبان ليس الاعتبارات الاقتصادية فحسب، بل وتلك العلمية، والاجتماعية، والتربوية.[22]

ممارسات جيدة

من أجل نجاح المعارف والسياسات، هناك حاجة إلى ممارسات جيدة، ويجب تقييمها من حيث دلالات تأثيرها ومقتضياتها على أهداف السياسات. ويتمثل العامل الرئيسي هنا في ترجمة، وحشد، وتقييم مساهمات المقاربات القائمة على حقوق الإنسان.

وفي هذا السياق، نجد أن مقاربة الأمم المتحدة القائمة على حقوق الإنسان، والمتعلقة ببرامج التعاون التنموي والسياسات والمساعدات التقنية، تستخدم منهجية ثلاثية المستويات تركّز على الأهداف (الحصول على الحقوق)، والعمليات (المعايير والمبادئ)، والنتائج (زيادة القدرة على الوفاء بالالتزامات والمطالبة بالحقوق).[23]

ثمة مجموعة أدوات لتخطيط المقاربات القائمة على حقوق الإنسان، جرى تطويرها بدعم من وكالات الأمم المتحدة المختلفة، توفر مرجعية للتخطيط التنموي- إذ تحدد الأولويات التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار في أعمال التنمية ضمن البنية الأكبر للمشاريع التنموية. وكذلك، فإنها تساعد في تحليل التقدم المحرَز في تنفيذ مقاربات حقوق الإنسان. ومن بين الأدوات المطروحة، هناك جدول للتحليل التفصيلي لكيف يمكن أن يتأثر الناس والجماعات بمشروع تنموي أو يتم تجاهلهم من قبله .
 

تحاول مجموعة الأدوات هذه أن تحرّك بقوة تلك المقاربات القائمة على حقوق الإنسان بعيدًا عن الأحكام التجريدية ونحو إطار تحليلي يمكنه قياس النجاح. وهي تمثل جزءًا من مقاربة للتخطيط التنموي ، والتي تطرح سلسلة من الدلائل الإرشادية القائمة على عدد من المبادئ التي يمكن تطبيقها بسهولة على المشاريع التنموية، من بدايتها إلى نهايتها، وفي الوقت نفسه تبيّن بوضوح كيف يمكن استخدام الوثائق الدولية التي نوقشت أعلاه (في الإطار 1) في تنفيذ المقاربات القائمة على حقوق الإنسان.


ومن الأمثلة على كيفية تطبيق هذا في الممارسة العملية، ثمة دراسة لتعزيز الحق في الوصول إلى المياه، والصرف الصحي، والبنية التحتية للمياه، واستخدامات المياه، أجرتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) في جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية بالتعاون مع الوكالة الأسترالية للتنمية الدولية (AusAID)، منظمة أوكسفام الخيرية للتنمية، ووكالة الأدفنتست (السبتيين) للتنمية والإغاثة (ADRA).[26] ولدراسة السياسات المتعلقة بتوزيع المياه واستخداماتها في لاوس، استخدم الباحثون مجموعة من التقنيات التي تندرج تحت باب المقاربات القائمة على حقوق الإنسان، والتي تتضمن: الرصد والتقييم التشاركي، والحوارات المجتمعية بين المسؤولين في المحافظات والمقاطعات والقرى، وعمليات المزايدة الشفافة لإمدادات المياه، ومجموعات المستخدمين المجتمعيين (والتي تعمل على بناء توافق في آراء أهل القرية حول أسعار المياه، وصيانة شبكات المياه). بيد أن هذه التقنيات ليست قائمة حصريًّا على حقوق الإنسان. وفي الواقع أنه من بين أهم العقبات التي تعترض سبيل تطوير الممارسات الجيدة القائمة على حقوق الإنسان أن هذه المقاربة يمكن أن تشمل كل شيء، وبالتالي تخاطر بألا تكون شيئًا على الإطلاق. وبالإضافة إلى ذلك، فإن التشاور والحوار لا يضمنان بالضرورة إجماع الآراء، ناهيك بالتنفيذ الفعال.

التطورات المستقبلية القائمة على حقوق الإنسان

من المؤكد أن العلوم، والتكنولوجيا، والتنمية تتسم بأهميتها البالغة بالنسبة للثورة الصناعية وما بعد الصناعية في القرن الحادي والعشرين. 

وحتى برغم أوجه القصور التي تعتريها، فإن حقوق الإنسان هي محور المناقشات المتعلقة بالكيفية التي يمكن بها للعلوم والتكنولوجيا والتنمية أن تعزز رفاهية البشر. إن حقوق الإنسان هي أيضًا حقوق للاستدامة، تعمل على حماية الفقراء والفئات الضعيفة من تجاوزات العلوم والتكنولوجيا التي تحركها الأسواق. وفي غياب مقاربة قائمة على حقوق الإنسان تجاه العلوم والتكنولوجيا والتنمية، فإن التوزيع غير المتكافئ للسلع -من الخدمات والموارد الطبيعية إلى الموارد غير الملموسة مثل كرامة الإنسان واستقلاليته- سيزداد بصورة متفاقمة، مما يؤدي إلى مزيد من التدهور البيئي، وقبل كل شيء، زيادة الهشاشة والضعف البشري والعرضة للخطر.

وبعبارة أخرى، لا ينبغي أن يتم التعامل مع المقاربات القائمة على حقوق الإنسان كمجرد أبعاد أخلاقية زخرفية للسياسات أو الابتكارات العلمية والتكنولوجية، فمن الممكن أن تنزل منزلة القلب من التطورات المستقبلية المستدامة.

س. رومي موخرجي أستاذ محاضر في النظريات السياسية وتاريخ الأديان في معهد باريس للدراسات السياسية، إضافة لكونه محاضرًا زائرًا في جامعة شيكاغو (مركز بباريس) في فرنسا.

التحليل منشور بالنسخة الدولية يمكنكم مطالعته عبر العنوان التالي:

 

 



المراجع

[1] UNDP. Belize Human Rights Based Approach (2011)
[2] UNFPA. History and Definitions of the Human Rights-Based Approach [21kB] (2010).
[3] UNFPA. The Human Rights-Based Approach: Advancing Human Rights (2008)
[4] Bruno-van Vijfeijken, T et al. Setting Higher Goals: Rights and Development. Trade Offs and Challenges in Implementing a Rights Based Approach to Development. Monday Developments, 27 (12), 19-20. (2009)
[5] UN. The Universal Declaration of Human Rights. (1948)
 [6] UNESCO. World Commission on the Ethics of Scientific Knowledge and Technology (COMEST) (1998)
[7] UNESCO. Recommendation on the Status of Scientific Researchers (1974)  
[8] UNESCO. Implementation of standard-setting Instruments. Part III Implementation of the 1974 Recommendation on the status of scientific researchers [136kB] (2012)
[9] UNESCO. Declaration on Science and the Use of Scientific Knowledge UNESCO World Conference on Science (Budapest, 1999)
[10] UN OHCHR. International Covenant on Economic, Social and Cultural Rights. (Adopted 1966, entry into force 1976)
[11] UN OHCHR. Declaration on Social Progress and Development (1969)
[12] UN OHCHR. Declaration on the Use of Scientific and Technological Progress in the Interests of Peace and for the Benefit of Mankind (1975)
[13] UNESCO. Universal Declaration on Bioethics and Human Rights (2005)
[14] The African Science Academy Development Initiative Declaration of Dakar 2007  Third Annual International Conference of the African Science Academy Development Initiative, Senegal, November 2007 (ASADI III). Published on www.kmafrica.com (2007)
[15] African Ministerial Council on Science and Technology Cairo Declaration [43kB]. Extraordinary Conference of the African Ministerial Council on Science and Technology (Cairo 2006)
[16] Claude, R. Science in Service of Human Rights, Philadelphia: University of Pennsylvania (2002), pp. 14–17.
[17] Selian, A.N. ICTs in Support of Human Rights, Democracy and Good Governance [510kB].  International Telecommunication Union (2002)
[18] Amnesty International USA. Using Science as a Tool to Protect Human Rights (2012)
[19] Amnesty International Eyes on Syria (2012)
[20] Wolfinbarger S. and Wyndham J. Remote visual evidence of displacement. Forced Migration Review 38: 20 (2011)
[21] Gasper, D Development Ethics and Human Development [52kB]. HDR Networks 24. Human Development Report Office of the UNDP (2009)
 [22] UNESCO. From Green Economies to Green Societies. UNESCO's Commitment to Sustainable Development [6.03MB] (2012)
[23] WHO/OHCHR. A human rights-based approach to health [287kB]. Factsheet published by World Health Organization and Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights. (2010)
[24] Socorro Diokno, M. Chapter 5. Human Rights Based Approach to Assessment. In Human Rights Based Approach Development Toolkit www.hrbatoolkit.org (2012)
[25] Socorro Diokno, M. Part I. Human Rights Based Approach to Development Planning. In Human Rights Based Approach Development Toolkit www.hrbatoolkit.org (2012)
[26] Berman, G. Undertaking a Human Rights-Based Approach: Lessons for Policy, Planning and Programming — Documenting Lessons Learned for the Human Rights-Based Approach to Programming: An Asia-Pacific Perspective — Implications for Policy, Planning and Programming. pp. 506 (UNESCO Bangkok, 2008) 
إعادة نشر المقال:
نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.