نقرن العلم بالتنمية عبر الأخبار والتحليلات

أفسحوا مجالاً للحجامة في علاج الأمراض الروماتيزمية
  • أفسحوا مجالاً للحجامة في علاج الأمراض الروماتيزمية

حقوق الصورة: Flicker/ Augu

نقاط للقراءة السريعة

  • الحجامة ليست بديلا للعلاج الدوائي للروماتويد، ولا تُستخدَم إلا مساندًا أو مكملاً له

  • سوء استغلالها لا يُسوغ هجر علاج فعال، لأنه لعبة بيد دجالين ومحتالين ودراويش

  • على الجهات المعنية بالصحة العامة تنظيم ممارسة الحجامة وتقنينها ومراقبتها

Shares
صهباء بندق ترى أن منظومة الرعاية الصحية لا تملك رفاهية تجاهل ممارسة علاجية بسيطة وفعالة واقتصادية مثل الحجامة

خلال دراستي الجامعية، كنت أتسقط ما سطَّره تاريخ الطب عن الحجامة، وألتقط الملحوظات من الكتب التي دوَّنت خبرة الحَجَّامين الشعبيين؛ وأتعلم المستطاع عن هذا العلاج العجيب الذي يرتكز على المعتقدات الدينية، وتلفه الأسرار والألغاز العلمية.
 
والفكرة الوحيدة التي سيطرت عليّ وأنا أختار أطروحتي لنيل درجة الماجستير هي جسر ما بين الحجامة والطب الحديث، بحيث ينفعان معًا المرضى الذين يعانون آلام المفاصل والروماتيزم؛ فهم مُستاؤون دومًا من خياراتِ المعالجةِ المعتادة؛ ولذلك يتجهون إلى العلاجات التكميلية ووسائل الطب البديل، ومنها الحجامة. 
 
في عام 2005؛ أتممتُ دراستي على 50 مريضًا بالروماتويد، كانوا مقسمين إلى مجموعتين؛ الأولى تعاطى المرضى فيها علاجًا دوائيًّا فحسب، والثانية خضع مرضاها لجلسات حجامة، إلى جانب التداوي بالعقاقير نفسها. 
 
بعد ثلاثة أشهر من العلاج، انخفض سريعًا مؤشرا شدة الألم، ونشاط المرض بين مرضى المجموعة الثانية؛ وقل عدد المفاصل المتورمة والمؤلمة. في حين جاء الانخفاض متأخرًا في المجموعة التي تلقت العلاج الدوائي منفردًا. 
إضافة إلى هذا، برهنت نتائج مختبرية عديدة على فاعلية الحجامة في تسكين الألم، وتهدئة الالتهابات المفصلية وتحسين حركة المفاصل.
 
وخلصت الدراسة إلى أن العلاج بالحجامة فعال واقتصادي وبسيط، ويساعد في السيطرة على نشاط الروماتويد، وأنه ليس بديلاً للعلاج الدوائي، ولا يستخدم إلا مساندًا للعلاج الدوائي أو مكملاً له. وأوصت الدراسة بمزيد من البحث للتعرف على الآثار الفسيولوجية له، والآليات التي يعمل بها، وإمكانية الاستفادة من تأثيره على الأمراض المختلفة. 
 
علاج آمن فعال بسيط 
 
منذ عام 2009؛ ازدادت الدراسات المستهدِفة تقييمَ فاعلية الحجامة في علاج ألم المفاصل؛ وتوالت من ألمانيا والصين وكوريا وإيران وبعض الدول العربية، ونُشرت تقارير تقترح آليات التأثير الفسيولوجية التي قد تفسر الأثر العلاجي للحجامة. ومعظم نتائجِ هذه الدراسات متاح بموقع PubMed على الإنترنت.
 
مجمل ما خلص إليه الباحثون من الدراسات، المتبعة للمنهجية السابقة ذاتها، أن الحجامة أكثر فاعلية في معالجة آلام أسفل الظهر والرقبة والكتف والركبة. وسجلوا أنها جلبت منفعة علاجية بعد وقتٍ قصير. وأن جلسات الحجامة امتازت بمأمونيتها وقبول المرضى لها؛ إذ لم تحدث أية مضاعفات أو تأثيرات مضادة عقب المعالجة. 
 
ورغم ما سبق، لم تتخل المؤسسات الصحية الرسمية في معظم الدول العربية عن رؤيتها أن الوقت لا يزال مبكرًا لقبول الحجامة علاجًا آمنًا، ولمَّا تقنن ممارستها بعد؛ بحجة أن عدد البحوث التي أجريت لإثبات فاعليتها غير كاف؛ وأن العلم يجهل –للآن- الآلية التي تحدث بها هذه الفاعلية. من ثم، يواصل أكثر أطباء الروماتيزم بإقليمنا تجاهلهم للحجامة، بل ويعدونها ضربًا من الشعبذة والدجل الطبي.
 
وحجتها المذكورة ليست مسوغًا لإهمال الحجامة بهذه البساطة؛ فالآلام المُزمِنة المصاحبة للأمراضِ الروماتيزمية تمثل تحديًا كبيرًا للأطباء، فقائمة الأدوية المُسكنة والمضادة للالتهابات التي يَصفونها عاجزة –على كثرتها وتنوعها– عن السيطرة على الألم تمامًا. وقد تحد الأدوية من الألم في حالات، وفي أخرى يبقى أكثره، أو تكون غير مؤثّرة بالمطلق، ولا ينال المريض إلا آثارها الجانبية المزعجة.
 
مكاسب اقتصادية
 
والحاجة إلى دمج معالجة كلفتها الاقتصادية هينة في منظومة علاج الأمراض الروماتيزمية، لم تكن في يوم من الأيام أكثر إلحاحًا مما هي عليه اليوم، فالأمراض الروماتيزمية هي المشكلة الصحيةِ الرئيسية الأولى في أنحاء العالم كافة.
 
العلاج بالحجامة فعال واقتصادي وبسيط 
على سبيل المثال؛ في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها؛ يزور 70 مليونًا من مرضى الأمراض الروماتيزمية العيادات الخاصة سنويًّا؛ في حين يقصد 130 مليونًا آخرون أبواب الرعاية الصحية العامة، موزعين بين العيادات الخارجية والمستشفيات وغرف الطوارئ. 
 
يرفع هذا نسبة العجز الوظيفي بين العمال والموظفين، ويزيد من معدلات التغيب عن العمل؛ ومن ثم يثقل الغرم على المؤسسات الرسمية؛ حيث يُقدر العبء الاقتصادي للأمراض الروماتيزمية -مُمثلاً في تكاليف تعويض العمال، وتدهور معدل الإنتاج- بما بين 45 و54 مليار دولار سنويًّا.
 
إذًا، يتضح من المثال المذكور أن الأمراض الروماتيزمية تؤثر في اقتصادات الدول، وتبهظ كواهل أنظمة الرعاية الصحيةِ الرسمية بعبء مالي أكبر من أي أمراض أخرى. 
 
ومن أسف ألا تتوفر إحصاءات موازية في الدول العربية، لكن اليقين الذي لا يرقى إليه شك أن الضرر الاقتصادي للأمراض الروماتيزمية في دولنا الفقيرة أكبر مما في أمريكا.
 
من هنا يمكن القول إن الحجامة قد تقدم حلاًّ اقتصاديًّا؛ نظرًا لارتفاع الكلفة الاقتصادية للأدوية وجلسات العلاج الطبيعي المتكررة، ومقارنتها بتكلفة العلاج بالحجامة التي لا تتطلب أجهزة وأدوات باهظة الثمن؛ إذ يقل سعر مجموعة الكؤوس البلاستيكية التي تُستعمل مرةً فحسب، عن دولار واحد لكل مريض؛ ولا تتطلب أغلب الحالات أكثر من جلسة واحدة للتخلص من الألم. 
 
ذلك، في حين قد تصل تكلفة مجموع الأدوية المسكنة والمضادة للالتهابات والباسطة للعضلات في روشتة العلاج المتوسطة إلى 10 دولارات؛ وغالبًا ما يتطلب العلاج تكرار صرف الروشتة أكثر من مرة. 
 
محاذير وحلول 
 
قد يندفع بعض السُّذَّج والجُهَّال إلى استخدام الحجامة بشكلٍ مسرف؛ استنادًا إلى نصوص ومعتقدات دينية، وقد يتخذها البعض وسيلة للدجل والاحتيال والاتجار بآلام المرضى. وتلك أسباب وجيهة لرفض الجهات الصحية الرسمية الاعتراف بممارسة الحجامة.
 
لكن سوء استخدام أي علاج لا يعني عدم جدواه، ولا ينبغي أن يدفع باتجاه تجريمه والتشهير به والتقليل من قيمته العلاجية؛ فالجريمة يبقى عارها على مرتكبها لا على ضحيتها. وسوء الاستغلال لا يُسوغ هجر علاج فعال، لأنه لعبة بيد دجالين ومحتالين ودراويش؛ بل يستوجب تضييق الخناق عليهم من طريق فتح أبواب الممارسة السليمة تحت مظلة الرعاية الصحية الرسمية .
 
كذلك، بدلاً من إهدار الفائدة العلاجية للحجامة؛ على الجهات المعنية بالصحة العامة تنظيم ممارسة الحجامة وتقنينها ومراقبتها؛ ووضع الضوابط التي تحكم هذه الممارسة؛ وتجريم كل من يمارسها بغير تخصص، وذلك بتخصيص منافذ معلومة لكل من أراد العلاج بها،‏ وألا يجري ترخيص الممارسة خارج الإطار الطبي؛ ولوزارة الصحة في المملكة العربية السعودية تجربة رائدة بهذا الصدد يجدر الالتفات إليها . 
 
وإذا كان ثمة تخوف من الأدوات المستخدمة في الحجامة؛ تحسبًا لانتشار عدوى الأمراض التي تنتقل بالدم؛ فإن أجهزة الحجامة الحديثة التي تستخدم لمرة واحدة متوفرة في منافذ بيع المستلزمات والأجهزة الطبية.
 
لكل هذا، يجدُر بالجهات الصحية الرسمية أن تقبل بالحجامة قبولاً حذرًا، وأن تسير الممارسة التي يضمن مأمونيَّتَها عمرٌ يوغل في التاريخ لما وراء 5000 سنة، جنبًا إلى جنب مع البحوث والدراسات، لا أن يظل الانتفاع العلاجي والاقتصادي بها مرتهنًا بتوفر المزيد من البراهين البحثية.
 
إن الكثير من المرضى والأطباء يرددون بشأن الحجامة: "لا يهمني كيف تعمل، المهم أنها تعمل". 
 
لهذا تسمح قوانين الممارسة العلاجية في ألمانيا بممارسة العلاج بالحجامة تحت إشراف طبي إلى أن تقول نتائج البحوث كلمتها؛ ولا ترى منظومة العلاج الطبي هناك بأسًا في الانتفاع بها، ما دام المرضى يستجيبون لها ولا تظهر لها آثار جانبية.
 
إن منظومة الرعاية الصحية لا تملك رفاهية تجاهل ممارسة علاجية واقتصادية؛ بسيطة وفعالة وتحظى بقبول شعبي مثل الحجامة!

صهباء محمد بندق، أخصائي الطب الطبيعي والأمراض الروماتيزمية والمناعة، حاصلة على درجة الماجستير في علم الميكروبيولوجي، كان موضوع رسالتها للماجستير حول أثر الحجامة على الجهاز المناعي.
 
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط



إعادة نشر المقال:
نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.