نقرن العلم بالتنمية عبر الأخبار والتحليلات

 حتى نطرد شبح شلل الأطفال العائد
  • حتى نطرد شبح شلل الأطفال العائد

حقوق الصورة: Flicker/Canada in Afghanistan

نقاط للقراءة السريعة

  • - ظهور حالات شلل أطفال في سوريا يهدد مستقبل أطفال المنطقة، وربما العالم.

  • - التفشي الأخير انتكاسة لطموحات العلماء باستئصال المرض من الأرض بحلول عام 2018م.

  • - التعاون بين المنظمات المختصة والجهات المانحة لتنسيق تحرك سريع ضرورة حتمية لتجاوز المحنة.

Shares
لسنوات خلا الشرق الأوسط من حالات جديدة، وها هو يطل من سوريا. أيمن ياسين يحذر: أدركوا المنطقة قبل فوات الأوان.

في أكتوبر الماضي، شلت حركة 22 طفلا في محافظة دير الزور بشمال شرق سوريا، ثم تأكدت إصابة 13 منهم بفيروس شلل الأطفال، والحالات التسع الباقية قيد الفحص والمتابعة؛ لتحديد سبب الشلل الرخو الحاد الذي يعانونه.

نحن إذن أمام إعلان بأول تفش لشلل الأطفال في سوريا منذ عام 1999، وهو مؤشر خطير ينذر بعودة الفيروس للمنطقة بقوة.

مكمن الخطر أن لكل إصابة بشلل الأطفال هناك على الأقل مائتا حالة حاملة للمرض دون أعراض تنشره بينهم. ويزيد الأمر خطورة انتشار اللاجئين السوريين في دول المنطقة، وأعدادهم تتجاوز المليوني لاجئ حسب إحصاءات الأمم المتحدة الصادرة سبتمبر الماضي.

وهذه الأعداد مرشحة للزيادة؛ بسبب حالة الاحتراب المستمرة منذ أكثر من عامين في سوريا، ما يزيد احتمال ظهور تفشيات أخرى بدول الجوار، وهي على بعد مرمى حجر من أوروبا الخالية من الفيروس منذ عقود، الأمر الذي يعطي المشكلة بعدا دوليا، لا إقليميا وحسب.
 
دوائر الخطر

وصل الفيروس إلى سوريا بطريق البر حسب منظمة الصحة العالمية، وساعد على تفشيه انهيار النظام الصحي السوري بسبب الصراع الدامي هناك، وانهيار منظومة التطعيم الأساسية للأطفال، تاركة أكثر من 500 ألف طفل بلا تطعيمات عرضة لأمراض كثيرة.

لم يكن من قبيل المصادفة إذن أن أغلب الأطفال المصابين دون سن السنتين، ولم يسبق تطعيمهم ضد المرض مطلقا. ويعني هذا أيضا أنه موجود في منطقة واسعة من الإقليم، لا في ذاك الجزء من سوريا فقط. وهو استنتاج يعززه اكتشاف الباحثين أن التسلسل الجيني للفيروس الموجود فيها هو نفسه الخاص بالسلالة المتوطنة في باكستان.

يلاحظ في هذا الصدد، أن أول ظهور للمرض في سوريا رُصد بمحافظة حدودية على غرب العراق المضطرب أصلا لنحو عشر سنوات تقريبا، بل وتتاخم محافظة الأنبار العراقية، وهي الأشد اضطرابا فيه. كما أن دير الزور تدنو إلى الشمال السوري قريبا من الحدود الجنوبية لتركيا، التي تستضيف على أراضيها أعدادا هائلة من اللاجئين السوريين.

تركيا -الخالية من شلل الأطفال منذ 15 سنة- بدأت حملة تطعيم لمحافظاتها المتاخمة لسوريا، وهي خطوة احترازية محمودة، وبديهية، شرعت بلدان أخرى بالمنطقة تحذو حذوها.

صحيح أن منظمة الصحة العالمية أكدت عدم إصابة أي طفل حتى الآن في مصر، ولا في الأراضي الفلسطينية، بفضل معدلات التطعيم الجيدة ضد المرض، لكن هذا ليس مسوغا لأي اطمئنان ولا داعيا لأدنى تراخ، خاصة وقد عثر على الفيروس في مجارير هذه المناطق العام الماضي.

من ثم فإن منظمتي الصحة العالمية، والأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أعلنتا عن حملة تطعيم واسعة النطاق تبدأ في ديسمبر المقبل، مستهدفة تحصين 22 مليون طفل، في سبع دول بالشرق الأوسط، ربما كان الأردن أهمها؛ فهو يُؤوي –على فقره- 750 ألف لاجئ سوري.

وقبل يومين، أعلن وزير الصحة في سوريا أن وزارته نفذت بنجاح حملة تطعيم شملت كل المحافظات، واستفاد منها قرابة مليوني طفل سوري، وهو أمر يصعب دفع الشكوك المحيطة به، في ظل أوضاع شديدة التردي، ونزاع بالغ العنف.
 
الشبح الذي عاد

حمل القرن العشرون أخبارا سيئة للعالم عندما اجتاح المرض قاراته جميعها، بإصابات مليونية سنويا، وبلغت ذروة توحش شلل الأطفال في الخمسينيات. لكن العقد نفسه شهد هزيمة الفيروس بتطوير تحصينات مضادة له.

وفي عام 1988م، استهدفت منظمة الصحة العالمية مع جهات مانحة استئصال المرض بحلول عام 2000. وللأسف لم يتحقق المراد، لكن المرض حوصر بشكل كبير؛ فانخفضت الإصابات من 350 ألف حالة حول العالم إلى 223 حالة، بنسبة تراجع فاقت 99%، كما تناقصت الدول المصابة بالمرض من 128 دولة عام 1988 إلى ثلاث فقط عام 2012؛ هي أفغانستان، وباكستان، ونيجيريا.

كاد العالم أن يتخلص منه، لولا دولتان بالطرف الشرقي من إقليمنا، ودولة ثالثة تتاخم جنوبه. وتأتي هذه العودة البغيضة في قلبه تقريبا، ويهيم الشبح مجددا فوق إقليم تصنف أغلب بلدانه ’نامية‘، وإن تمتع بعضها بثراء نفطي. وقد كشفت أمطار غزيرة مؤخرا عن تداعي البنية التحتية وعدم كفايتها في السعودية والكويت والإمارات.

مسألة ’نامية‘ هذه لها أكثر من دلالة، فالفيروس يدخل إلى جسم الطفل عن طريق الفم، ويتكاثر في الأمعاء، وحسب مناعة المصاب، إما أن ينتشر إلى الجهاز العصبي أو ربما يُحبط عند هذا الحد. كذلك تشتد ضراوة الفيروس إذا صادف نقصا في التغذية، أو سوءا. ومما يؤسِف أن كثيرًا من أطفال البلدان ’النامية‘ يعانون ضعف المناعة ونقص التغذية.

وتتطور حالة من كل 200 إصابة بالعدوى إلى شلل دائم لا شفاء منه، بأحد الأطراف على الأقل، وغالبا ما تكون ساقا، وقد يلاقي ما يتراوح بين 5% و10% من المصابين بالشلل حتفهم بسبب إصابة عضلاتهم التنفسية. والمفجع أن أغلبهم دون سن الخامسة.

كذلك لما كانت عدوى المرض تنتقل بوصول براز طفل مصاب أو حامل للفيروس إلى طعام طفل آخر غير محصن ضد المرض أو شرابه، يعد انتشار الفيروس وصمة للدول ’النامية‘.

فالدول ’النامية‘ فضلا عن قصور مرافق الصرف الصحي بها وشبكاته، وإصلاحها ليس ترفا، ولا حاجة يمكنها الانتظار، لمكافحة شلل الأطفال وأمراض أخرى؛ فلهذه الدول قدرات محدودة في استضافة اللاجئين والقيام بشؤونهم، ولنا أن نتخيل الأحوال المعيشية لهؤلاء اللاجئين، والأهم في هذا الشأن الطعام وقضاء الحاجة والنظافة.

إن المرض لا علاج له حتى الآن، والوقاية خير وسيلة لدحره؛ بالنظافة الشخصية، والرقابة على الأطعمة؛ وبالتأكيد التطعيمات.

لقد جددت منظمة الصحة للعامية هدفها الاستراتيجي بعدم ظهور حالات جديدة، وإعلان الأرض خالية من الفيروس الشرس بحلول عام 2018. وإلى ذلك الحين، يجب الحذر، طفل واحد مصاب بعدوى فيروس شلل الأطفال، يعرض الأطفال بجميع البلاد لخطر الإصابة بالمرض.

نحو استئصال شأفة المرض

رغم أن الوضع حتى الآن تحت السيطرة، وسيناريوهات تطور التفشي لجائحة عالمية تظل مستبعدة؛ بسبب الجهود الدولية السابقة في محاربة المرض، لكن هذا مدعاة للاهتمام، لا التجاهل.

بالنسبة للدول المجاورة لسوريا؛ تركيا تتهيأ للانتقال من دولة في العالم الثاني، إلى مصاف الدول المتقدمة، ولا يطلب منها فوق ما تصنع الآن. وقد سبق التفصيل في شأن العراق والأردن، وكلاهما دشن حملات تطعيم لمواطنيه.

وتبقى مصر ذات التسعين مليون نسمة، عليها توخي أقصى درجات الحيطة والحذر، وبذل المزيد من الجهد في مكافحة شلل الأطفال، لا يلفتها عن هذا اضطرابات متصلة زهاء ثلاث سنوات، لا سيما وجداريات معابدها الفرعونية تطالعنا بنقوش لمصابين بالمرض، أي أنه قديم قدم تاريخها.

إن تكاتف المنظمات المختصة والجهات المانحة لمواجهة تفشي شلل الأطفال أمر بالغ الأهمية، ويجب أن يتم بأسرع وقت؛ لحماية المنطقة -وربما العالم- من عودة شبح المرض. يجب تطعيم اللاجئين السوريين، ومراقبة الوضع الصحي في مخيماتهم بدقة شديدة، وتهيئة ظروف معيشية مقبولة أثناء استضافتهم.

يجب أيضا الإسراع في ضرب بؤر المرض المتبقية في نيجيريا، وباكستان، وأفغانستان، عن طريق دعم تلك الدول بالحوافز الكافية، مع الرقابة الدولية لاستئصال الوباء من جذوره، مع العمل على زيادة الوعي المجتمعي بأخطار المرض وأهمية التطعيم، ودعم الوعي الديني المستنير في تلك الدول.

كم يحزن أن من أسباب استمرار الفيروس في العالم حتى الآن، فتاوى بعض شيوخ طالبان في باكستان، وبوكو حرام في نيجيريا، بتحريم التطعيم ’الغربي‘ تحت دعوى أنه يهدف إلى نزع الفحولة من رجالهم، والخصوبة من نسائهم، لدرجة إطلاق النار على أفراد فرق التطعيم في الدول الثلاث، بل وقتل بعضهم.

كذلك يمثل وجود قبائل رعوية تنتقل بين حدود تلك الدول وجيرانها مشكلة تعرض دول الجوار لتفشي المرض، والعمل على معالجة الأمر ضروري وهام.

وينبغي تدخل المجتمع الدولي بقوة لإغاثة المنكوبين في الحروب بمنطقة الشرق الأوسط، فدعم منظومة تطعيم الأطفال من أقصر سبل هزيمة شلل الأطفال. إن تطعيم كل طفل بثلاث جرعات من التطعيم المعطل يعطي حماية 99% ضد سلالات الفيروس الثلاث، والتطعيم بثلاث جرعات من التطعيم الفموي يعطي حماية 95%، ويوصَى باستخدام التطعيمين الفموي والمعطل لزيادة الفعالية وإحلال الفيروس المروض محل الشرس في البيئة.

وختاما.. القضاء على شلل الأطفال في العالم سيوفر على الأقل 40 إلى 50 مليار دولار أمريكي على مدى السنوات العشرين المقبلة، معظمها في البلدان منخفضة الدخل، والأهم أن بلوغ الأرب يعني عدم معاناة أي طفل مرة أخرى من الآثار الرهيبة لإصابته بالشلل مدى الحياة نتيجة لفيروس شلل الأطفال.

هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط

الدكتور أيمن ياسين طبيب مصري متخصص في طب الأسرة، يقيم في مكة، ويعمل بوزارة الصحة السعودية.



إعادة نشر المقال:
نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.