نقرن العلم بالتنمية عبر الأخبار والتحليلات

المزارعون.. ضابطون للبحث، ناشرون للابتكار

حقوق الصورة: Global Crop Diversity Trust

نقاط للقراءة السريعة

  • أصحاب الحيازات الصغيرة بحاجة لتقنيات تناسبهم، افتقدتها الثورة الخضراء

  • إشراك المزارعين في البحث يثمر تقدما يحتاجونه، ويقبلونه

  • تسهم المدارس الحقلية للمزارعين في نشر أساليب متطورة، و"تجني" ابتكارات محلية

Shares

قد يسدي المزارعون أصحاب الحيازات الصغيرة عونا لقبول جنى البحث العلمي، وإبداع ابتكارات أصيلة. تقرير جويل ونستون

أظهرت الثورة الخضراء في ستينيات القرن الماضي كيف تُغيّر الابتكارات التكنولوجية وجه الزراعة. فلقد جُلِبت سلالات المحاصيل الزراعية عالية الإنتاجية، وتقنيات الري، والأسمدة، ومبيدات الآفات إلى دولٍ نامية، من بينها الهند والفلبين، وهو ما زاد غِلال المحاصيل بأكثر من 250%، واستنقذ مليار نفس وأكثر من على شفير المجاعة.
 
وبالرغم من أثره الإيجابي، إلا أن نموذج نقل التقنية من أعلى إلى أسفل، واجه انتقادات عدة، من بينها الفشل في الوصول للمزارعين الأشد فقرًا بين صغار الملاك الذين لم يتمكنوا دائما من الاستفادة من هذه التقنيات. واليوم لا تزال معدلات تبني التقنيات الزراعية الحديثة متدنية في أجزاء عدة من العالم النامي، خاصة في أفريقيا.
 
من ثم، صدرت دعوات لإيجاد نظام ابتكارات أكثر استدامةً ومرونةً وشمولاً، من أجل تلبية احتياجات هؤلاء المزارعين، خاصة وأصحاب الحيازات الصغيرة يُنتجون أكثر من 70% من الغذاء على مستوى العالم.
 
والآن ثمة أمثلة على ابتكارات أبدعها مزارعون، مكنت أصحاب الحيازات الصغيرة والباحثين من زيادة الغلال.
 
من المختبر إلى المزرعة
 
أُنشئ المركز الدولي لفسيولوجيا وإيكولوجيا الحشرات (ICIPE) -ومقره في كينيا- عام 1970 لمعالجة المشكلات الخاصة التي تواجه الدول النامية في المناطق الاستوائية.
 
كان من بين تلك المشكلات فراشة حفار الجذع، التي تحفر يرقاتُها في سُوق نبات الذرة، متسببة في خسارة نحو 80% من المحصول. ولم يكن العديد من التدخلات التقنية ملائما لصغار المزارعين. مثلا، رغم عون مبيدات الآفات، إلا أن تكلفتها فوق طاقة صغار المزارعين، كما أنها تتسبب في أضرار بيئية.
 
وثمة تحديات أخرى تتعلق بقبول المحاصيل المقاوِمة للآفات. "حتى إذا استنبتها، لن يعجب المزارعين مذاقها. إنهم يحبون أكل ما تعودوا عليه واختاروه منذ زمن"، كما يعلل زيور خان، الباحث الرئيس في المركز الدولي لفسيولوجيا وإيكولوجيا الحشرات.
 
في عام 1993، أوكِلت إلى خان مهمة تطوير مكافحة الآفات بطرق أكثر مناسبة لاحتياجات المزارعين، ويمكن تبنيها على نطاق واسع. وطور خان ما يعرف بأسلوب "الدفع والسحب"؛ استنادًا إلى مبادئ مكافحة الآفات بطرق طبيعية.
 
ينطوي هذا الأسلوب على زراعة نباتات -بين المحاصيل- تنبعث منها مواد كيماوية طاردة للفراشة. يعمل هذا على "دفع" فراشة حفّار الجذع إلى الخارج، بينما تجتذبها أنواع أخرى من النباتات، تُزرع على أطراف الحقل، تعمل على "سحب" هذه الفراشات بعيدا عن المحصول الرئيسي.
 
بعد إجراء أبحاث على نحو 600 نوع من الأعشاب، اكتشف خان أنواعا تجتذب الفراشات واضعة البيوض، ولا تسمح ليرقاتها بالنمو، وهو ما بدا آلية "سحب" مثالية.
 
بيد أنه كان عليه إقناع المزارعين بزرع هذا العشب أولاً.
 
يقول خان موضحًا: "لقد كنت مترددا بشدة في طلبي من المزارعين أن يزرعوا عشبا في مزارعهم.. سأبدو أحمق؛ لأنهم يعرفون الأعشاب أكثر منّا، كما كنت أظن. أيضا كنت خائفا مما قد يحدث إذا طلبنا منهم زراعتها ثم تحولت إلى أعشاب خطرة على مزارعهم".
 
كانت مخاوف خان مبررة، ورفض المزارعون زراعة الأعشاب، اللهم إلا إذا أوجد لها خان وزملاؤه الباحثون استخداما آخر يفيدهم، مثل استخدامها علفًا للمواشي.
 
لذا دعا خان وفريقه المزارعين مرة أخرى إلى محطتهم الميدانية من أجل اختيار عُشب أفضل. وبالعمل معا قاموا بإجراء المزيد من التجارب، وتوصلوا في النهاية إلى مجموعة من الأعشاب تصلح تماما لأن تكون أعلافًا، كما أن لها خصائص "سحب" لفراشات حفار الجذع.
 
وحالما بدأ تنفيذ آلية "السحب" انخفضت أضرار الفراشات لأقل من 10%.
 
عقبات غير متوقعة ومنافع إضافية
 
آنذاك، في نيانزا غرب كينيا، واجه زارعو الذرة مشكلة أكبر؛ إذ اكتسحت أعشاب العدار الحقول. ولذلك، أبى المسؤول الزراعي في المنطقة إدخال تقنية خان.
 
وجد فريق خان بقلة مفصلية تسمى 'ديسموديوم' لم تطرد فراشات حفار الجذع وحسب، بل منعت نمو عشبة العدار كذلك. علاوة على ذلك، عمل الديسموديوم سمادا طبيعيا، بتثبيت النيتروجين في التربة، كما كان علفا غنيا بالبروتين.
 
وبسبب هذا الابتكار الذي أبدعه المزارعون، تبنى أكثر من 68 ألف مزارع في شرق أفريقيا تقنية "الدفع والسحب"، وهناك خطط لإدخال هذه التقنية إلى مزارع البُن والقطن في أمريكا الجنوبية.
 
يقول خان: "ما تحتاجه هو البطولة والملكية"؛ ثم يشرح: "إذا لم ينظر المزارعون إلى هذه التقنية بحسبانها أمرا يخصهم، فلن يفكروا في استخدامها. أيضا قدم المزارعون كثيرًا من الاقتراحات الفعالة، مثل كيفية تعديلها، وتكييفها وفق ظروفهم الخاصة.. إنهم يشعرون ببالغ الفخر.. شعور الملكية هذا مهم للغاية".
 
إن استبطان ثقافة الشعوب الأصلية في عملية الابتكار، لا يضمن مناسبة التقنية للأحوال، وزيادة معدلات تطبيقها وحسب، بل يبقيها أيضا مرنة؛ لأن نصائح المزارعين تضيف سياقًا محليًّا، ما يسمح للتقنية بتطوير نفسها، وإعادة اختراعها في كل موقف جديد. إن خان متأكد من أن تطبيق هذه التقنية مُتيسر جدا؛ لأن تطويرها تم في أفريقيا، ولم يتم استيرادها من الخارج.
 
يقول خان: إن هذا الأسلوب مناسب جدا للملايين من المزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة الذين يواجهون أطيافا من التحديات عبر القارة الأفريقية.
 
المدارس الحقلية للمزارعين
 
تقول كاميلا تولمين -عالمة الاقتصاد ومديرة المعهد الدولي للبيئة والتنمية-: "إن المعرفة والقدرة على الابتكار لدى المزارعين مورد كبير غير مستغل. وتستطرد: "فالقدرة على البقاء في بيئة قاسية وملتبسة منحت المزارعين كثيرًا من البصيرة، التي طوروها من خلال أنشطتهم اليومية".
 
ووصل الأمر ببعضهم أن سعى لإنشاء أنظمة أوسع لتعزيز المعرفة بالابتكارات، وبث المناسب منها داخل مجتمعاتهم الزراعية.
 
وقد استجابت المدارس الميدانية للمزارعين –التي طُبِّقت لأول مرة عام 1990 في إندونيسيا- للتحديات التي يسوقها نموذج نقل التقنية من أعلى إلى أسفل، وهو النموذج الذي يحكم كثيرًا من عمليات نشر تقنيات الزراعة في الدول النامية.
 
في ذلك الوقت، كان ويليام سيتل باحثا في إندونيسيا. يقول سيتل -وهو الآن أحد كبار المسؤولين الفنيين في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة-: "الفكرة كانت تكمن في أن أنواعا معينة من صنع القرارات التقنية لن ننجح في إعطائها للمزارعين من خلال قائمة مهام بسيطة يُفترض بالمزارع أن ينفذها. في أغلب الحالات كان المزارعون سيفعلون ما فعله آباؤهم أو ما يفعله جيرانهم".
 
وبناءً على مبادئ التعلم القائم على الاكتشاف، أو "التعلم بالممارسة"، تكونت المدارس الحقلية من 25 مزارعا يلتقون أسبوعيا. كان لكل مدرسة حقل تمرين ينقسم إلى جزأين: أحدهما يتّبع نظام المعالجة المعتاد، بينما الآخر يُجرِّب علاجات تُعد "أفضل الممارسات".
 
أدار المشاركون الحقلين، ودونوا ملاحظاتهم، وناقشوا النتائج سويا. ومن خلال المشاركة في هذه التجارب الحقلية من البداية وحتى النهاية، يتعرف المزارعون على ابتكارات متعددة يمكن أن تكون ملائمة لمناطقهم.
 
يقول سيتل: "في الاجتماع الأول يوضح المزارعون معالم نظامهم الزراعي، ويتناقشون حول أولوياتهم والمراحل التي يعتبرونها عنق الزجاجة. ثم يحاولون صياغة نظام المدرسة الحقلية لتخدم هذه الاحتياجات خاصة".
 
وبعد تنفيذ هذه المدارس في 12 دولة بجنوب شرق آسيا، وتدريب ملايين المزارعين في إندونيسيا وفيتنام، أُدخلت أول مدرسة حقلية لغرب أفريقيا في غانا عام 1996.
 
يقول سيتل: "إنها تعيد صياغة نفسها في كل سياق جديد. والسياق في غرب أفريقيا مختلف؛ إذ بدلا من مشاكل الآفات ومبيداتها، تتعلق القضايا الكبرى بالتحكم في خصوبة التربة وجودة البذور وإدارة المياه والموارد الطبيعية".
 
ومن خلال ربط المجتمعات ذوات الاهتمامات المشتركة وتشجيع مشاركة الأفكار، يبني إطار عمل المدارس الحقلية شبكات المعرفة التي تحصد الابتكارات لاستخدامها في أماكن أخرى. وهذه الابتكارات لا تُطبَّق إلا إذا جرى اختبارها في سياق محليّ ووجد المزارعون أنها فعالة.
 
مؤخرا في مالي، ساعدت المدارس الحقلية المعنية بمكافِحات الآفات الطبيعية ستة آلاف مزارع في تقليل استخدام المبيدات الحشرية بمقدار 47 ألف لتر (90% من حجم استهلاك المبيدات هناك)، ما وفر نحو 500 ألف دولار أمريكي إجمالا. والآن تحولت المدارس الحقلية إلى تناوُل ابتكارات لتنويع المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية، ما جعل المزارع أكثر قدرة على التكيف مع تقلبات أسعار السوق.
 
هل هي نهاية لنقل التكنولوجيا؟
 
بينما تعد أنظمة الابتكار الأفقية تلك بديلا واعدا لنموذج نقل التقنية من أعلى إلى أسفل، إلا أن تعزيز قدرة الدول النامية على تطوير ابتكارات محلية المنشأ لا يزال أمرا صعبا.
 
يقول خان: "إن التحدي الرئيسي يكمن في الاستثمار في العلم". ويضيف: "إن أغلب المختبرات في أفريقيا ليست مجهزة بشكل جيد. وهناك أيضا "هجرة العقول"؛ حيث يغادر العديد من العلماء للعمل في الدول المتقدمة، ومن يمكث منهم يتم استنزافه في العمل الإداري".
 
بيد أن الاستثمار في البحث العلمي في أماكن أخرى قد يكون له تأثير في الدول النامية.
 
ثمة "مئات الشركات العالمية مستمرة في إدخال تقنيات زراعية حديثة -بشكل ثابت- إلى الدول النامية"، حسبما يقول جيرت-جان ستادز، أحد كاتبي تقرير نشره معهد أبحاث سياسات الغذاء الدولية في أغسطس، والذي يقرر أن الطريقة التقليدية في نقل التقنيات لا تزال ضرورية[1].
 
يضيف ستادز: "لذلك فإن الاستثمار في البحث العلمي في أماكن أخرى بالعالم يصبح مهما للتطوُّر التقني في أفريقيا، تماما كأهمية دعم القدرة على تطوير تقنيات محلية المنشأ".
 
وختاما فإن التعويل على خبرة الابتكار القادمة من الدول المتقدمة بإمكانه أن يساعد على الاستفادة القصوى من المعرفة التي تمتلكها مجموعات بحثية راسخة ومحترفة.
 
كما أن تسخير خبرات الأهالي في أُطر ابتكارات ملائمة يضمن اختيار المزارعين للتقنيات التي يعتمدونها اختيارا حقيقيا، كما يضمن نشر الابتكارات المحلية على نطاق واسع، تماما كالتقنيات المستوردة.

التحليل منشور بالنسخة الدولية ويمكن مطالعته عبر العنوان التالي:
farmers fine tune research spread their own innovations

 
هذا التحليل جزء من ملف: نحو استدامة إنتاج الغذاء


المراجع

[1] Gisselquist, D. et al. Private sector agricultural technology transfer into Bangladesh, Kenya, Senegal, Tanzania, and Zambia. International Food Policy Research Institute, August 2013.
إعادة نشر المقال:
نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.