نقرن العلم بالتنمية عبر الأخبار والتحليلات

الوهم والحقيقة في تقدم جامعاتنا على ’ويبومتريكس‘
  • الوهم والحقيقة في تقدم جامعاتنا على ’ويبومتريكس‘

حقوق الصورة: Panos/ Tom Pilston

نقاط للقراءة السريعة

  • مقاييس تصنيف الجامعات تتفاوت مؤشراتها وموازينها جذريًّا، وقد تكون أحيانًا غير منصفة

  • تصنيف ’ويبومتريكس‘ يعتمد منهجية تعتد بالحضور على شبكة المعلومات الدولية

  • التصنيف قيد التجربة ويشوبه عوار، لكن لا بأس بالبدء في تكثيف الوجود على الإنترنت

Shares
لشد ما كان مزعجًا مطالعة بيانات المباركة التي أزجيت تهنئة بتقدم مراكز جامعات عربية وفق تصنيف جديد لمقياس ’ويبومتريكس‘ الإسباني. ومثلما أصدرت الأخبار في وسائل الإعلام العربية شيئًا من ضجيج بالمكانة المحدثة، أبدت فرحًا مكتومًا (أو مفضوحًا) بتراجع ترتيب الجامعات الإسرائيلية المتفوقة، على المقياس الذي لا يقوم على الجدارة والاستحقاق بقدر ما يستند إلى الحضور على شبكة المعلومات الدولية.
 
مبعث الانزعاج أن الضجيج والفرح عوَّلا على تصنيف لم يجاوز طور التجربة، وعدم نضجه واضح لكل ذي عينين، ومن المبكر الاعتماد عليه تصنيفًا جديًّا للجامعات، يضع أي مؤسسة أكاديمية على الخريطة العالمية للتعليم الجامعي، ويشكل دعاية كبيرة لها، ويجعل منها قبلة يؤمها طلبة العلم والباحثون.
 
وثمة معايير جلية لتصنيف الجامعات يعلمها جميع العاملين في هذا المجال، مثل معايير قياس الأداء، وتوكيد الجودة، والاعتماد الأكاديمي للجامعات، وتقويم المؤسسات التعليمية. ومثل تلك المعايير هي التي تقذف بجامعاتنا إلى المؤخرة في أي تصنيف، وإلى ذيل أي قائمة، إن هي أُدرجت أصلًا.
 
تفصيل الرأي يقتضي بسط الحديث بعض الشيء في هذا الشأن. فمنذ عام 2004م تُبذل محاولات لوضع مقاييس تصنَّف بها الجامعات من قِبل خبراء اليونسكو، ومعهد سياسات التعليم العالي في واشنطن، ومجموعة المعاهد الألمانية، وغيرها من المؤسسات العالمية.
 
ورغم أن المؤشرات والموازين التي تعتمد عليها المقاييس تتفاوت بشكل جذري، فمن الصعب إنكار أن جامعات بعينها تمتاز على غيرها وتفضُلها، بيد أن نسبة الجامعات المجمَع على صدارتها حول العالم لا تزال محدودة للغاية.
قد تكون هذه المقاييس غير منصفة في كثير من الأحيان، وهي تتباين على نحو هائل، فضلًا عن أن تزايد الاهتمام بمقاييس تقييم الجامعات وترتيبها أخذ يطغى على التقييم الموضوعي.
 
وبعض الدراسات تشير إلى أن التباين يتفاوت بين 33 مرتبة (الحد الأدنى) وبين 207 مراتب (الحد الأعلى) للجامعة الواحدة، وأن نسبة التوافق بين المقاييس لا تزيد على 11%، ويمكن تفسير التباين بين المقاييس من خلال تباين المؤشرات المعتمدة للقياس، وتباين الأوزان المعطاة لكل مؤشر، وعدد المؤشرات المعتمدة.
 
متريكس - سكولار
 
بالنسبة إلى ’ويبومتريكس‘ فهو تصنيف عالمي مشهور يصدر عن فريق يتبع أكبر مركز أبحاث إسباني، ويرتبط بوزارة التربية والتعليم في مدريد، ويهدف إلى تشجيع نشر المعلومات على مواقع الجامعات، ويصنفها وفق المعلومات المتوفرة في مواقعها على الإنترنت.
 
يصدر هذا التصنيف نصف السنوي منذ عام 2004م، ويغطي أكثر من 17000 من مؤسسات التعليم العالي بجميع أنحاء العالم، منها حوالي 500 جامعة في العالم العربي، وهو يرتب أول 12000 جامعة على مستوى العالم، وينشر ذلك، كما يصنف أول 100 جامعة وفق القارة أو وفق المنطقة.
 
ويقوم التصنيف على أساس أن نشاطات أي جامعة تظهر في مواقعها الإلكترونية، ويستند إلى أربعة معايير تشكل معًا تقييمًا للجامعة، وهي: معيار الحجم، أو عدد صفحات موقع الجامعة الإلكتروني التي يتم تداولها عبر محركات البحث، ومعيار الرؤية، ويُقصد به عدد الروابط الخارجية -ومنها البحوث العلمية- التي لها رابط على موقع الجامعة، ومعيار الملفات الغنية، إذ يجري حساب عدد الملفات الإلكترونية -بأنواعها المختلفة- التي تنتمي لموقع الجامعة عبر محرك البحث جوجل، ومعيار الأبحاث، الذي يحسب عدد الأبحاث والدراسات والتقارير المنشورة إلكترونيًّا تحت نطاق موقع الجامعة.
 
أما جوجل الباحث العلمي أو Google Scholar فيُعَد من أهم محركات البحث العلمي الأكاديمي، وهو محرك مجاني يوفر طريقة سهلة للبحث الموسَّع عن الأعمال البحثية التي يحتاج إليها الباحثون والدارسون، خاصة المؤلفات العلمية والأكاديمية، ويتضمن العديد من مصادر المعلومات، كالأبحاث والرسائل العلمية المعتمدة، والمجلات العلمية المحكمة، والكتب والملخصات والمقالات الصادرة عن ناشرين أكاديميين وجمعيات علمية متخصصة، ومراكز جمع المعلومات قبل طباعتها، والجامعات، وغير ذلك من مؤسسات البحث العلمي.
 
ويهدف الباحث العلمي من جوجل إلى تصنيف المقالات بنفس الطريقة التي يستخدمها الباحثون من حيث قيمة النص في كل مقالة، والمؤلف، وجهة النشر التي تظهر فيها المقالة، وعدد مرات الاستشهاد بها في أعمال بحثية أخرى.
 
كما أنه من المعروف أن موقع الباحث العلمي يهدف إلى مساعدة أعضاء الهيئة التدريسية، لحصر إنتاجهم الفكري، فضلا عن قياس الإنتاجية العلمية لهم، باستخدام مؤشر هيرش، إذ يتيح البرنامج الاطلاع على المؤلفات العلمية والأكاديمية الحديثة.
 
وهو يسمح بالبحث باستخدام معايير بحث خاصة بالمكتبات، مثل اسم الكاتب وتاريخ النشر، وتقتصر نتائج البحث على وثائق أكاديمية وعلمية يمكن الاعتماد عليها مراجعَ للأبحاث، فليس من الوارد بأي حال من الأحوال أن تظهر صفحات المنتديات مثلًا ضمن نتائج البحث.
 
تجربة غير ناضجة
 
مؤخرًا خرج علينا موقع ’ويبومتريكس‘ بتصنيف جديد للجامعات حول العالم يعتمد على محرك بحث جوجل الباحث العلمي، وفوجئنا بالجامعات العربية تعلن عما يشبه الإنجاز، بما تبوأت من مراكز متقدمة في هذا التصنيف، فهل يُعتد بهذا التصنيف الجديد للجامعات؟ أم من المبكر التعويل عليه؟ والحاصل محض توهم، دافعه رغبة عارمة في إحراز أي تقدم، حتى ولو كان غير حقيقي.
 
هذا التصنيف العالمي الجديد يقوم على النبذات profiles أو ملفات الأشخاص، سواء كانت لأشخاص طبيعيين، أي العلماء وعددهم يقترب من المليون، أو لأشخاص اعتباريين، أي الجامعات أو المؤسسات الأكاديمية بوجه عام، وعددهم يدنو من 5000. والمنهجية الحالية تقتصر على المؤسسي فحسب؛ إذ تجمع البيانات لأعلى 10 ملفات عامة من كل جامعة، وهو رقم من المتوقع زيادته في المستقبل كثيرًا. كما أن الأرقام صالحة فقط في وقت جمع البيانات.
 
إذن صار تصنيفًا مركبًا للمؤسسات الأكاديمية، مؤسسًا على تصنيف العلماء الذين اشتركوا في اسم النطاق والبريد الإلكتروني الموحد للمؤسسة في جوجل الباحث العلمي.

وعلى الرغم من أنه لا يزال غير مكتمل وفي مرحلة تجريبية، إلا أنه يوفر إمكانية بناء ترتيب عالمي جديد، وأن يكون ممثلًا على الأقل لأفضل الجامعات. ويأتي هذا الترتيب تجربة لاختبار مدى ملاءمة بيانات استشهادات جوجل الباحث العلمي في تصنيفات الجامعات، ومن ثَم فلا غرو ألا يزال يعتريه العديد من أوجه القصور التي يجب تداركها في الإصدارات المقبلة لهذا التصنيف.

كما اعتمد التصنيف على وجود الملفات الشخصية للباحثين على جوجل الباحث العلمي، ومن المعروف أن هذه الخدمة شخصية وتطوعية، ويقوم بها الباحثون أنفسهم دون أي دعم من مؤسساتهم الأكاديمية، ومن المعلوم أيضًا أن هناك حرية مطلقة لاختيار عضو هيئة التدريس أن يفتح صفحة خاصة به على هذا الموقع أو يكتفي بصفحته الشخصية على الموقع الرسمي للمؤسسة الأكاديمية التي يعمل بها، إذا كان متوفرًا أصلًا. 

وبعد مراجعة سريعة لوجود أعضاء المؤسسة الأكاديمية التي أعمل بها حاليًّا -مثالًا للجامعات العربية- أجد نسبة لا تزيد على 2% فقط من أعضاء هيئة التدريس لديهم ملفات شخصية على موقع جوجل الباحث العلمي، وهذا بالطبع لا يشير إلى الوزن الحقيقي العادل لمثل هذه المؤسسة الأكاديمية، ويجعلها خارج أي مقارنة أو تصنيف عالمي.

سبيل التقدم الحقيقي

أقول: إن كانت ثمة رغبة في أن تتبوأ جامعات العالم العربي صدارة أو مكانة متقدمة، فإن هذه الجامعات تحتاج إلى النهوض بطرق التدريس، وإرساء مبدأ الجدارة الأكاديمية، وعليها أن تضع نظمًا جديدة فيما يخص تقييم أعضاء هيئة التدريس، بحيث تكافئ ما هو قيّم فعلًا في الأبحاث والتدريس والتواصل مع المجتمع عن طريق نشر المعرفة. ويجب كذلك أن تكون الأبحاث العلمية الصادرة عن الجامعات مرتبطة بالاحتياجات الفكرية والعملية للمجتمع. ويبدو هذا الهدف المزدوج متواريًا عن الأنظار وخارج نطاق الاهتمام غالبًا بالنسبة لمعظم المؤسسات الأكاديمية في المنطقة العربية.

وتحتاج الجامعات العربية إلى مزيد من الاستقلالية؛ كي تتحول إلى مؤسسات قائمة على الجدارة الأكاديمية، وأن تسعى إلى التفوق العلمي، وعندئذ تقود رياح التغيير نحو مزيد من الشفافية والكفاءة داخل مجتمعاتها. كما أن الجامعات بحاجة إلى إصلاح مناهج العلوم وطرق التدريس؛ إذ تحتاج الجامعات إلى تقديم المزيد من المواد متعددة التخصصات، وكذلك تعليم الجوانب الاستكشافية للعلوم، وتعزيز المقاييس الصحيحة، بحيث لا تشجع الإدارة على السرقة الأدبية، والعلم المغشوش، استجابةً لضغوط طلبة العلوم.

ما سبق هو الأهم والأجدى سبيلًا للرفعة والعلاء، بعدها يمكن الالتفات إلى الإنترنت؛ إذ إن كثيرًا من تصنيفات الجامعات أصبح لا يرتكز على جودة التدريس أو طبيعة المخرَجات التعليمية، بقدر اعتمادها على المعلومات المتوفرة على شبكة الإنترنت بشكل أساسي، وتقيم مدى توفر نتائج الأبحاث العلمية والمعلومات الأكاديمية على صفحة كل جامعة، وللأسف فإن معظم الجامعات في المنطقة العربية لا تهتم كثيرًا بالحضور الإلكتروني، ولا بإظهار أنشطتها وخدماتها التعليمية والبحثية بشكل كاف، هذا فضلًا عن عدم تحديث مواقعها الرسمية بشكل منتظم.

ويؤدي هذا القصور الواضح إلى صعود بعض الجامعات التي تهتم بحضورها الإلكتروني، على حساب جامعات أخرى تظل خارج المنافسة، لاهتمامها فقط بما يضمن التحاق الطلاب بها دون أي مجهود؛ لأن الدراسة تكاد تكون مجانية، وتظل تعاني من قلة الموازنات المالية المتاحة لتحقيق خدمة تعليمية وبحثية قادرة على المنافسة العالمية.

ورغم ما سبق، فنظرًا للتنامي الواضح في الاعتماد على محركات مثل جوجل الباحث العلمي كموقع مجاني متخصص، من المهم بمكان تشجيع المؤسسات الأكاديمية بمنطقتنا على إنشاء حساب لكل باحث فيها على مثل تلك المواقع؛ ليسهم في تسويق الأبحاث المنشورة، بما يرفع التصنيف العالمي للمؤسسة الأكاديمية، وكذلك تقييم الباحث لبحثه ومعرفه عدد المستفيدين منه، ومن المواقع التي تشجع النشر الأكاديمي على الإنترنت موقعا: أكاديميا، وريسرش جيت.

وإن تعزيز الوجود في الفضاء الإلكتروني للباحثين والمؤسسات الأكاديمية العربية، له أصول وطرق، وهناك في الفضاء الإلكتروني أفكار قيمة، تمثل دليلًا ضافيًا للوصول إلى أعرض جمهور، يمكن الاستعانة بها، وأشباهها يبلغ بعضه بعضًا إذا أردنا الاستزادة؛ بغية تحسين الأداء المؤسسي والحصول على ترتيب أعلى للمؤسسات الأكاديمية دون أي تكلفة تذكر، بدلًا من إفراد موازنات كبيرة لهذا الغرض، مثل تلك التي يستوجب على المؤسسات الأكاديمية توفيرها للحصول على ترتيب أعلى في التصنيفات العالمية

 
** طارق قابيل: أستاذ التقنية الحيوية المساعد بكلية العلوم والآداب ببلجرشي، جامعة الباحة –المملكة العربية السعودية. متخصص في الوراثة الجزيئية والتكنولوجيا الحيوية بكلية العلوم، جامعة القاهرة –جمهورية مصر العربية. مستشار منظمة المجتمع العلمي العربي.


هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
 
إعادة نشر المقال:
نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.