نقرن العلم بالتنمية عبر الأخبار والتحليلات

س و ج.. مع مروة الصابوني عن العمارة والحرب
  • س و ج.. مع مروة الصابوني عن العمارة والحرب

حقوق الصورة: Thames and Hudson /Ghassan Jansiz

نقاط للقراءة السريعة

  • العمارة الحديثة في سوريا قسمت المجتمع إلى مناطق أحادية الهوية وفق الطبقة والدين

  • ثمة ضرورة في ترجمة الحاجات النفسية والروحية للسكان إلى أفكار في العمارة

  • مستقبل البلد الآن رهين بالطريقة التي سيختارها من أجل إعادة البناء

Shares
خلف مباني مدينتها المدمرة حمص، وقفت المعمارية السورية الشابة مروة الصابوني وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة ملفتة للانتباه، في الصورة التي اختارتها دار النشر لتكون غلافًا لكتابها ’المعركة من أجل وطن: مذكرات مهندسة معمارية سورية‘.

قد تشعر أن ابتسامتها في غير محلها؛ إذ تأتي مغايرة لمشهد الهدم والتدمير، لكن الأفكار التي قدمتها في كتابها، ربما تجعلك تقول إنها تتمسك بأمل إعادة الإعمار بفلسفة مختلفة تراعي البعد الإنساني.

وترى مروة أن العمارة الحالية كانت أحد الأسباب المؤجِّجة للصراع؛ لكونها جعلت الأحياء منفصلة بعضها عن بعض، وقسمت السكان بناء على أصولهم ودينهم، بما عزز من التفرقة والعزلة، وزاد من فرص نشوب الصراعات.

استعرضت المهندسة المعمارية تاريخ العمارة، وقارنت بين أحياء حمص القديمة وما آلت إليه في الفترة السابقة لنشوب الصراع، ورأت أن العمارة الحديثة كانت أحد الأسباب لخسارة الهوية والتماسك الاجتماعي.

وفي حوارها مع شبكة SciDev.Net الذي أجري عبر الهاتف، حيث لا تزال مروة مقيمة في سوريا، سنحاول معرفة رؤيتها لتحويل أفكارها إلى واقع عملي.
 
بداية، كيف تكون العمارة سببًا لخسارة الهوية والتماسك الاجتماعي؟
الإجابة تقتضي معرفة تاريخ أحياء حمص القديمة، حتى نستطيع المقارنة بين ما مضى وما آلت إليه الأمور.

ففي أحياء حمص، كانت الأصول والأديان مختلطة، وعاش الجميع في بوتقة واحدة صهرتهم داخلها العمارة بتفاصيلها، متمثلة في أحياء تضم محال تجارية صغيرة تلبي الاحتياجات، وحدائق عامة تعطي فرصة لأهالي الحي الواحد للالتقاء في مكان واحد، فصهرتهم في كيان واحد متماسك اجتماعيًّا.

وفي هذه الأجواء كان هناك ولاء وانتماء للوطن، لكنه فُقد مع العمارة الحديثة التي حولت المدينة إلى كتل خرسانية بلا أي روح.

إذن كيف ستحملين مسؤولية إعادة هذه الروح للجهات الرسمية، في ظل ارتباط العمارة باقتصاديات البناء، ونظريتك قد تكون غير مجدية اقتصاديًّا؟
الأفكار التي أنادي بها في كتابي لا تهتم بالجانب الاقتصادي قدر اهتمامها بإعادة حالة الألفة والانسجام بين السكان، فنحن لا نريد أن تكون هناك أحياء للتركمان وأخرى للعلويين وثالثة للفلاحين ورابعة للبدو، بحيث تقيم كل فئة في مكان منعزل، فهذا الفصل استحال لاحقًا إلى صراع طائفي.

وفي الحقيقة لم أتطرق في كتابي للجهات المسؤولة، ولكن أستغرب الفكر الذي يجري به تنفيذ مشروعات إسكان العشوائيات على سبيل المثال في عالمنا العربي، حيث يتم وضع السكان في كتل خرسانية داخل مشروع إسكان خاص بهم، وهذا يدعم توجه التصنيف الذي كان سببًا لضياع حالة الألفة.
 
هل يمكن أن تعطيني نموذجًا عمليًّا للخروج من هذا الفكر التقليدي في العمارة؟  
حاولت تطبيق هذا الفكر في مشروع تخطيطي لحي ’بابا عمرو‘ الذي تهدم بالكامل خلال الأزمة السورية، وهو الباب الثامن لمدينة حمص، ويتميز عن باقي الأبواب السبعة لحمص بوجود بابين.

ذاك المشروع تقدمت به لمسابقة UN Habitat وفزت بالجائزة الأولى في عام 2014، وإني لآمل أن يكون نموذجًا يُحتذى عند إعادة تخطيط باقي المناطق العشوائية، والتي تبلغ نسبتها 40% من سوريا.

وفي هذا التخطيط تُرجمت الحاجات النفسية والروحية للسكان إلى أفكار في العمارة، تمثلت على سبيل المثال في وجود حدائق خلفية وفناء داخلي ملحق بكل وحدة سكنية، راعيتُ أن تكون تلك الوحدات بارتفاعات ليست شاهقة، وأن يكون هناك شوارع في الحي، لأن العمارة الحديثة أعدمت الحياة في الشارع، والذي كان في الأحياء القديمة بمنزلة البيت الكبير الذي يلتقي فيه الناس على اختلاف أصولهم وأعراقهم وأديانهم، فتوجد حالة من الترابط والألفة.

وماذا عن تلبية الاحتياجات البشرية، هل روعيت في التصميم؟
في العمارة الحديثة أنشئت المجمعات التجارية الكبرى والسوبر ماركت، وهي لا تختلف كثيرًا عن المساكن الحديثة، حيث يبدو مرتادوها كأعداد من البشر داخل علبة خرسانية.

 بينما كان السوق بشكله القديم يتفاعل مع احتياجات الناس، فبدلًا من أن يشتري الخبز من السوبر ماركت، يكون هناك خباز، وعندما تظهر الحاجة لأي سلعة أخرى، ينشأ منفذ صغير لبيعها، وكان هذا الشكل يخلق علاقة ود بين البائع والمشتري، بصرف النظر عن أعراقهم وأديانهم، كما يخلق أيضًا ألفة بين الناس داخل السوق، الذي يلتقون في رحابه.

وفي التخطيط، الذي قدمته لحي بابا عمرو حرصت على أن يعود هذا المشهد أيضًا.

فكرتك الأساسية تقوم على عمارة لا تميز بين الناس على اختلاف أعراقهم وأديانهم، ألا يتعارض ذلك مع وجود أحياء قديمة في سوريا تتميز بالنمط الإسلامي؟
يقودني ذلك للحديث عن مفهوم العمارة الإسلامية، فالعمارة ذات النمط الإسلامي كانت في الماضي تتسق مع البعد الإنساني الذي أنادي به، ولا تفرق بين قاطني الحي على اختلاف انتماءاتهم، بينما في العمارة المعاصرة يتم ربط مجموعة من العناصر غير الأصيلة مع بعضها بشكلٍ عشوائي لمنحها مظهرًا إسلاميًّا ’خادعًا‘.

لكن الشعور بالهوية لا يمكن العثور عليه في خصائص معمارية بعينها، وإنما يكون ناتجًا ثانويًّا لتصميم هادف وجميل، يتوافق مع روح المكان.

وأخيرًا، هل وجدتِ داعمًا لهذه الأفكار، لتطبيقها على أرض الواقع؟
أفكاري وضعتها في كتاب حقق مبيعات كبيرة في أوروبا؛ حيث نُشر باللغة الإنجليزية وهذا يحقق له انتشارًا واسعًا، لكن لم يتم توزيعه بعد في العالم العربي، وآمل أن يُترجَم إلى العربية، وأن تجد تلك الأفكار آذانًا صاغية عند إعادة إعمار سوريا.


هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

إعادة نشر المقال:
نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.