نقرن العلم بالتنمية عبر الأخبار والتحليلات

الغاز الصخري.. آثاره البيئية تحتاج وقفة

حقوق الصورة: SciDev.Net/ Toufik Bougaada

نقاط للقراءة السريعة

  • التكسير الهيدروليكي هو الطريقة الأكثر انتشارًا لاستخراج الغاز الصخري من طبقات الأرض

  • لا ضمانات من شركات استخراجه لعدم تلويث الماء والهواء من جراء استخدام تلك الطريقة

  • تتباين مواقف الدول منه حسب مصالحها، وعلى دول المنطقة ترتيب أولويات استثمارها في الطاقة

Shares
 
يسلط سفيان التل الضوء على التهديدات والمخاوف التي تثيرها عمليات استخراجه في منطقتنا، ويحذر من غياب الضوابط
 
shale gas debate 2
أحدث اكتشاف الغاز الصخري وإنتاجه بالولايات المتحدة الأمريكية ثورة في مجال صناعة الطاقة مع مطلع الألفية الثانية، فبدأت هيئات ومكاتب الدراسات الدولية في رصد احتياطيات الدول من هذا الوقود الجديد، ورصد الاستثمارات ووضع الخطط لاستغلاله، دون دراسة متأنية لآثاره السلبية، سواء البيئية أو الصحية.
 
والغاز الصخري هو غاز طبيعي ينشأ من حجارة الإردواز، التي تحتوي على نسبة عالية من المواد العضوية والنفط، ويوجد الغاز محبوسًا على أعماق تقارب 1000م تحت سطح الأرض، بين طبقات من الصخور الصماء التي لا تسمح بنفاذ الغاز منها.
 
ويتم التنقيب عن الغاز الصخري بعدة طرق، أوسعها انتشارًا هو الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي، والذي يمتد إلى 3 كيلومترات أو 4 تحت الأرض. ولتفتيت الصخور وإطلاق الغاز منها، تحتاج العملية إلى ضخ كميات كبيرة من المياه العذبة المخلوطة بالرمل وعدد من الكيماويات بقوة ضغط عالية.
 
ولا ضمانات واضحة لدى شركات الاستخراج لعدم تسرب هذه الكيماويات ومعها الغازات المتولدة أو المجاورة أو المعادن الثقيلة أو غاز الميثان إلى الهواء، أو تلويثها للمياه الجوفية، أو لمعالجة خليط الماء العادم الراجع من الآبار بشكل يجعله آمنًا بيئيًّا.
 
فرغم تأكيد العديد من شركات استخراج الغاز الصخري مأمونيةَ تلك الآلية، وأن تلوث المياه الجوفية في الولايات المتحدة لم يحدث إلا في آبار قديمة تم حفرها في بدايات تطوير آلية التنقيب عن هذا الغاز. إلا أن أصوات النشطاء البيئيين حول العالم لا تزال ترى احتمالات قائمة لتلوث الهواء والمياه السطحية والجوفية، إلى جانب إهدار كميات مياه عذبة ضخمة في التنقيب. ويزيد من تلك المخاوف تكتم الشركات على كمية الكيماويات المستعملة ونوعيتها؛ بحجة أنها أسرار تجارية.
 
أضرار محتملة
وتشير دراسة أعدتها إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، وشملت 41 دولة في العالم، إلى أن أعلى الاحتياطات من الغاز الصخري توجد في الصين، مقدرة بـ1100 ترليون م3، تليها الأرجنتين بـ802 ترليون م3، فالجزائر بـ707 ترليونات م3، ثم الولايات المتحدة الأمريكية بـ665 ترليون م3، ثم كندا بـ573 ترليون م3، ولدى السعودية 660 ترليون م3، كما يوجد هذا الغاز أيضًا في كل من ليبيا وتونس والمغرب وجنوب أفريقيا وبعض الدول الأوروبية وغيرها.
 
وبخلاف الجزائر التي بدأت بالفعل في التنقيب عن الغاز الصخري، هناك عدة دول بالمنطقة العربية بدأت في التخطيط لاستخراجه، وهو ما يستدعي أن تلتفت جميعها لعمل دراسات معمقة للأثر البيئي الذي قد يخلفه، إلى جانب تقييم الكلفة المائية في إقليم تعاني 14 دولة فيه من أصل 19 الفقرَ المائي، حسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة.
 
تتضح تلك الكلفة الضخمة عندما نعلم أن كل بئر لاستخراج الغاز يحتاج تقريبًا إلى بئر ماء ينتج ما بين 24 ألف إلى 64 ألف متر مكعب من الماء العذب سنويًّا، حسب دراسة أعدها قسم العلوم البيئية بمعمل أرجون الوطني، التابع لوزارة الطاقة الأمريكية، والصادرة في أبريل 2013.
 
وبعد عملية الضخ يعود ما لا يزيد على 20% من الماء المضخوخ للسطح مرة أخرى، في حين تبقى 80% من المياه المضخوخة في باطن الأرض حاملة معها الكيماويات، وبالتالي يبقى تسرب جزء منها إلى المياه الجوفية عبر شقوق بالآبار المحفورة احتمالاً قائمًا، حيث تعود نسبة غير محددة من تلك المياه إلى السطح في أثناء فترة حياة البئر، وفق الدراسة السابقة.
 
علمًا بأن المياه الجوفية في كثير من المناطق الصحراوية التي تتم فيها عمليات التنقيب تعتبر المصدر الوحيد لمياه الشرب لسكان تلك المناطق.
 
المياه العادمة العائدة من البئر تكون قابلة للمعالجة وإعادة الاستخدام، إلا أن محطات المعالجة غالبًا ما تكون غير مهيأة للتعامل مع المواد السامة والمعادن الثقيلة والمشعة التي تحتويها هذه المياه، فتظل كمتبقيات في المياه، وإذا افترضنا استعمالها للزراعة على سبيل المثال، فقد تشكل جزءًا من بنية النباتات وتدخل في السلسلة الغذائية بما قد تحمله من ملوثات.
 
وأرى أن غياب الديمقراطية والرقابة والقوانين الضابطة لعمليات الاستخراج بمنطقتنا، إلى جانب الاعتماد على الخبرة الأجنبية وما يصاحب ذلك من ارتفاع غير مبرر في النفقات، ينعكس على الأمن الاقتصادي والبيئي، والصحي للمواطن.
 
وبخلاف تلوث الهواء والمياه، سواء الجوفية أو السطحية، فقد كشف الصندوق العالمي للطبيعة (WWF) عن أن تقنية استخراج الغاز الصخري بواسطة التكسير الهيدروليكي تتسبب بزلازل في منطقة ذات كثافة سكانية عالية مثل أوروبا. وأردف عدد من العلماء الروس أن تقنية الاستخراج بواسطة التكسير الهيدروليكي من شأنها زيادة احتمال حدوث الزلازل.
 
يقول رئيس فرع الصندوق العالمي للطبيعة في روسيا، أليكس كنيجتيكوف: ”الزلازل المرافقة لعملية استخراج النفط والغاز من الممكن أن تحدث في أي قارة، ويتضمن ذلك أوروبا“.
 
مقارنة
الخبرة الطويلة في الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي وتحرر عملياته من التشريعات المقيدة والملزمة في الولايات المتحدة، ساعدت على التوسع في استخراج الغاز الصخري، وزادت من مخاطر تلوث الهواء والمياه، مما أخضع ذلك لكثير من البحوث والدراسات لتحديد الأضرار وتقييمها، وهذا يرجح احتمال صدور تشريع متشدد قريبًا يحد من استخدام التكسير الهيدروليكي للتنقيب في أمريكا.
 
ويمكن مقارنة حال الغاز الصخري بما سبق وحدث في الولايات المتحدة من سوء التعامل مع النفايات المشعة، التي سبق ودُفنت عشوائيًّا في باطن الأرض وتعاظمت أضرارها، وتحتاج اليوم إلى مئات المليارات لتنظيف مواقعها وإعادة تأهيلها.  
 
وتتباين مواقف الدول من الغاز الصخري حسب مصلحة كل دولة، وتوفر أو عدم توفر مصادر طاقة بديلة لديها، فعندما نجد فرنسا تحظر استعمال تقنية التكسير الهيدروليكي، مدعية أنها لا تملك التجربة والخبرة الكافية لإجراء مثل هذه العمليات المعقدة، علينا أن نتذكر أنها متطورة جدًّا في صناعة المفاعلات النووية، وتقوم حاليًّا بتسويق أعداد كبيرة منها في الدول النامية، ولا تريد للغاز الصخري أن يكون منافسًا.
 
وعندما يركز العلماء الروس على الزلازل التي يمكن أن تحدث تحت أوروبا المكتظة بالسكان نتيجة استخراج الغاز الصخري، علينا أن نتذكر أن روسيا تصدر الغاز الطبيعي إلى دول أوروبا، ولا تريد غازًا ينافس غازها.
 
وعندما تصر حكومة الجزائر على تقنية التكسير الهيدروليكي لاستخراج الغاز، متحدية مواطنيها، علينا أن نتذكر أن الجزائر ودول الشمال الأفريقي تمتلك أفضل بقعة لسطوع الشمس على سطح كوكب الأرض، لذا يجب عليها التفكير في البدائل النظيفة المتاحة كالطاقة الشمسية، خاصة أن أسعارها آخذة في الانخفاض، حتى إن سعر الكيلو وات ساعة بدأ يقترب من 5 سنتات أمريكية، كما سيتم تسعيره في عطاء المرحلة الثانية من مجمع الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية في دبي، والذي يعتبر أضخم مشروع للطاقة المتجددة في الخليج.
 
لذا على متخذي القرار في الدول النامية دراسة كل البدائل المتوفرة لإنتاج الطاقة، ومن ثَم ترتيب أولويات الاستثمار فيها بناء على الجدوى الاقتصادية والبيئية والسلامة العامة وتوفر الخبرات المحلية، كما أن عليهم الحذر من التورط مع شركات أجنبية وعملائها في الداخل، لتسهيل عملها في غياب القوانين والرقابة اللازمة، وهو ما ليس مسموحًا لها في بلادها الأصلية.


المقال مقدمة لحلقة نقاشية حية بعنوان: ”الغاز الصخري.. مستقبل آمن للطاقة أم خطر؟“. ستُعقد الحلقة النقاشية يوم الأربعاء 13 مايو من 2:00 وحتى 4:00 ظهرًا بتوقيت مكة المكرمة.

** سفيان التل: خريج جامعتي آخن في ألمانيا وفيينا في النمسا. عمل كبيرًا للمستشارين في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومقررًا عامًّا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة. وأشرف على إعداد الاستراتيجية البيئية لدولتي الكويت والأردن، وأشرف على سلسلة كتب عالم البيئة التي تصدر عن جائزة زايد الدولية للبيئة.


هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا



إعادة نشر المقال:
نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.