نقرن العلم بالتنمية عبر الأخبار والتحليلات

محو الأمية عبر الهاتف الجوال
  • محو الأمية عبر الهاتف الجوال

حقوق الصورة: Mark Henley/ Panos

نقاط للقراءة السريعة

  • الفشل في إيجاد دافع للتعلُّم لدى الأميين من أسباب تواضع نتائج محاولات محو الأمية

  • الهاتف الجوال يصلح أن يكون دافعًا، على أن يُستثمر مادةً للتعليم، لا أداة لها فحسب

  • ’فصحى العصر‘ هو مستوى اللغة العربية الذي يجدر بنا تقديمه لمتعلمي محو الأمية

Shares
تدعو مها صالح إلى استثمار الهاتف الجوال في محو الأمية، واستخدامه مادة تعليمية لا أداة للتعليم.

 ”عار وطني.. يجب ألا تمر السبعينيات دون أن نغسله عن سمعتنا، عن شرفنا“.. هكذا وصف الأديب والناقد المصري الراحل يحيى حقي تفشي الأمية.[1] وكان قد كتب عام 1968 مقترِحًا محو أمية الكبار بتعليمهم الحساب أولاً؛ لأن تعلمه اهتمامهم الأساسي، فعلى حد قوله: ”ما منهم رجل إلا له مهنة وتعامل مع الناس، ودفع وقبض، وعَدّ لبضاعة أو ربح أو خسارة، أو ديون مستحقة له أو عليه“.[2]

ماذا تراه يقول –لو كان حيًّا- بعد مرور ما يزيد على أربعة عقود، ولما نقضِ على الأمية، كما كان يأمل، بل إن عدد الأميين في بلادنا في تزايد مستمر، إذ يبلغ حاليًّا 54 مليون نسمة بين سكان منطقتنا العربية.[3]

أما اقتراحه بدءَ محو الأمية بتعليم الحساب، فقد تجاوزه الزمن، وتجاوزته ظروف الحياة بعد أن تاه في زحمة أفكار أواخر ستينيات القرن الماضي؛ إذ لا يبدو أن أحدًا التفت إليه. بيد أن المبدأ الذي قام عليه هذا المقترح ما زال قائمًا وجديرًا بالاتباع، وهو تحديد الدافع الذي يشجع على بذل المجهود اللازم للإلمام بأساسيات القراءة والكتابة، واستخدامه للحث على التعلُّم، وقد يكون الفشل في إيجاده واستثماره بشكل إيجابي أحد أسباب تواضع نتائج محاولات محو الأمية رغم الجهود المضنية.

ولا شك عندي أن ثمة دافعًا قويًّا في وقتنا الحالي، ألا وهو إجادة استخدام الهاتف الجوال الذي يحمله الملايين من البسطاء الذين لا يجيدون القراءة ولا الكتابة، لا من باب الوجاهة الاجتماعية، وإنما كجزء أساسي من أدوات العمل في البلدان العربية، وأولئك منهم البوابون والقائمون بالخدمات المنزلية وأصحاب المهن اليدوية مثل النجارين والحدادين وغيرهم، فعن طريق هذه الهواتف يتلقون طلبات العمل، ويتابعون إنجاز مهامهم مع عملائهم وغير ذلك.

هؤلاء سيسعدهم كثيرًا أن يتعلموا الكتابة والقراءة ليتمكنوا من الوصول إلى أقصى فائدة ممكنة من الهواتف الجوالة التي يحملونها، فجهلهم لا يتيح لهم إلا أقل القليل من تطبيقاتها.

الجوال مادة تعليمية

المطلوب إذًا برنامج تعليمي، لا يستخدم الهاتف الجوال أداة للتعليم والتعلم فحسب، وإنما مادة له؛ أي أنه يعتمد المادة اللغوية الموجودة على الجهاز مادةً للتعليم، ويقتضي هذا أن تكون المفردات والتعبيرات والتراكيب اللغوية التي يستخدمها الهاتف الجوال، مدمجة في المفردات والتعبيرات والتراكيب المستخدمة للتعلُّم، مثل: ’جاءتك رسالة‘، و’قائمة الأسماء‘، وغيرها، وهكذا يصير التعلم إنجازًا فوريًّا ممتعًا، وتطويرًا لمهارات اللغة ولمهارات استخدام المحمول في آنٍ واحد.

وقد سبق استخدام الهاتف الجوال وغيره من وسائل الاتصال الحديثة في محو الأمية الكبار وتعليمهم، في دول مثل مصر ولبنان والهند وباكستان، وهي كلها تجارب جديرة بالمتابعة والاستفادة، لكنها أساسًا استخدمت تكنولوجيا الاتصال أداة لإيصال المادة التعليمية، ولم تكن مادة تعليمية في ذاتها كما أشرنا، هذا بالإضافة إلى أن معظم تلك التجارب تطلبت وجود معلِّمين، أو ’مُيَسِّرين‘، وأحيانًا فصول أو أماكن لتلقي المادة العلمية.

ما أدعو إليه هو برنامج تعليمي يضم طرفين فقط هما المُتَعَلِّم والهاتف الجوال. الأمر بالتأكيد ليس سهلاً، لكنني أظنه ليس مستحيلاً، بدليل قدرة هؤلاء البسطاء على استخدام الهواتف الجوالة رغم جهلهم مبادئ القراءة والكتابة.

ولا شك أن هناك حاجة ماسة لبذل الكثير من الجهد البحثي على عينة معتبرة من الأميين؛ بهدف تحديد الاستراتيجيات التي يلجأون إليها، ولو من دون وعي، لفهم المادة اللغوية المستخدمة على هواتفهم الجوالة. ولا ريب أن تعدد الوسائط التي يمكن للهاتف الجوال استخدامها لتقديم المادة اللغوية سيكون نقطة إيجابية في تيسير مهمته التعليمية.

ولا تزال هناك موضوعات للبحث والمناقشة فيما يتصل بمادة التعليم، وأذكر أن أستاذنا الراحل الدكتور السعيد بدوي، أحد رواد تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها في المنطقة العربية، وهو يحاضرنا عن مشكلات تدريس اللغة العربية، لأبنائها ولغير أبنائها على حد سواء، لفت نظرنا إلى أن غياب قائمة موحدة لأكثر الألفاظ والتراكيب شيوعًا على ألسنة متكلمي اللغة لتكون بداية المحتوى التعليمي المقدم للمتعلمين، قد يكون أهم هذه المشكلات.

وكان من أهم مظاهر هذه المشكلة تعدد مناهج التدريس التي تختلف، لا في تفاصيل الدروس والتدريبات المقدمة للدارسين فحسب، وإنما في المفردات والتراكيب المستخدمة في كل منها، والنتيجة أن المتعلم عندما ينتقل من منهج تدريسي لآخر -وقد يكون ذلك مواكبًا لانتقاله من مستوى تعليمي لآخر أعلى منه أو لأسباب أخرى- كأنه انتقل من لغة إلى أخرى!

فصحى العصر

الإحصاء هو الحل؛ فالمطلوب -كما يرى الدكتور السعيد بدوي- عمل قوائم إحصائية بالمفردات والتراكيب اللغوية الأكثر شيوعًا في الاستخدام في المستوى اللغوي المراد تقديمه للدارسين، بحيث تكون هذه القوائم الموحدة هي الأساس الذي تُبنى عليه المادة التعليمية التي تقدمها المناهج التدريسية المتعددة.

وبطبيعة الحال ستكون المفردات والتراكيب اللغوية المستخدمة في الهواتف الجوالة على رأس هذه القوائم، ولعله من الواضح تعذر إيجاد قائمة موحدة لمتعلمي العربية في كل مكان، لذا فقد يكون من الأنسب الوصول إلى عدة قوائم تمثل كل منها منطقة لغوية محددة؛ مثل مناطق الشمال الأفريقي، والخليج العربي، ومصر.

لكن هذا الاقتراح يحيلنا بالضرورة إلى سؤال آخر هو: ما اللغة أو المستوى اللغوي الذي يجدر بنا تقديمه إلى متعلمي محو الأمية؟ والإجابة في رأيي هي ’فصحى العصر‘، وهي واحدة من خمسة مستويات للغة العربية المعاصرة حددها الدكتور بدوي في كتابه الرائد ’مستويات العربية المعاصرة في مصر‘، وتعريفها في رأيه أنها: ”فصحى متأثرة بالحضارة المعاصرة على الخصوص“.[4]

وفصحى العصر -بحكم هذا التعريف، ونتيجة لصفات تفصيلية أخرى كثيرة أثبتها المؤلف- قادرة بوجه عام على استيعاب الكثير من المفردات والتعبيرات والتراكيب اللغوية التي تمدنا بها التكنولوجيا الحديثة كل يوم، وتكنولوجيا الاتصالات على وجه الخصوص.

وهي بحكم خصائصها أيضًا قادرة على مساعدة الدارسين لتحقيق أهدافهم التعليمية والاجتماعية من محو الأمية، مثل متابعة وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمكتوبة، وإنجاز تعاملاتهم بنجاح مع غيرهم من أفراد المجتمع ومع المؤسسات مثل الإدارات الحكومية والبنوك.

جهد ضخم منظم يجب أن يُبذل للقضاء على الأمية في المنطقة العربية بحلول عام 2050، وفق ما قررته الأمم المتحدة، حتى لو تحقق الهدف متأخرًا بعض الشيء عن ذلك التاريخ، وذلك أمر متوقع مع ما تمر به المنطقة من تغيرات سياسية واجتماعية.[5]
 
 
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا


 
مها محمود صالح: خبيرة بلجنة الأدب العربي في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، حاصلة على دكتوراة في الأدب العربي، ودبلومة في تدريس العربية للناطقين بغيرها. درست اللغة العربية والأدب العربي للطلاب الجامعيين من أبناء العربية ومن الناطقين بغيرها. مارست العمل الصحفي في مجال النقد الأدبي والثقافة بوجه عام، وشاركت في إصدار عدة أعمال ببليوجرافية في مجال الأدب العربي الحديث.



المراجع


[1، 2] حقي، يحيي. هموم ثقافية (الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986)
[3] الألكسو. بيان المنظمة العربية للتربية والثقافة بمناسبة اليوم العالمي لمحو الأمية (سبتمبر، 2015)
[4] بدوي، السعيد. مستويات اللغة العربية المعاصرة في مصر (مكتبة السلام، 2013)
[5] تقرير التنمية البشرية 2014. المضي في التقدم: بناء المنعة لدرء المخاطر (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2014)
 

إعادة نشر المقال:
نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.