نقرن العلم بالتنمية عبر الأخبار والتحليلات

التواصل في ظل أزمة كالإيبولا.. حقائق وأرقام

حقوق الصورة: Samuel Aranda / Panos

نقاط للقراءة السريعة

  • فاشية إيبولا الأخيرة في غرب أفريقيا مزقت أواصر النسيج الاجتماعي لمجتمعات بأسرها

  • للضعف التاريخي والتواصل تأثيرات حقيقية على الاستجابة الطارئة

  • في فشل التواصل ونجاحه عِبَرٌ لأزمات صحية أخرى

Shares
تحمل تحديات الإيبولا في طياتها دروسًا لحالات الطوارئ الصحية الأخرى. تدرس إليزابيث سِمَوِت نجاحات هذه الأزمة، وإخفاقاتها.

اجتاحت فاشية إيبولا الجارية في غرب أفريقيا كلا من غينيا وليبيريا وسيراليون. الوباء هو الأكبر في تاريخ هذا المرض على الإطلاق (انظر الشكلين 1 و2). وأسفر عن آثار اقتصادية هائلة، فقد تصل خسائر الناتج المحلي الإجمالي إلى 25.2 مليار دولار أمريكي في عامي 2014- 2015، وفقًا للبنك الدولي.[1] ربما كان عدد الوفيات مقياسًا واضحًا للخسائر البشرية، لكنه لا يعبر عن حجم المأساة. ومن عجب أن ينتقل الفيروس عبر سلوكيات تمثل أفضل ما في الطبيعة البشرية، من رعاية للمرضى، واحترام حرمة الموتى، وإظهار المودة، وقد مزق هذا الوباء أواصر النسيج الاجتماعي لمجتمعات بأسرها.

Ebola 1
الشكل 1. جميع حالات الإيبولا المعلنة سابقًا مقابل وباء 2014
 

Ebola timeline final.JPG
الشكل 2. انقر هنا لرؤية التاريخ الكامل لفاشيات إيبولا في غرب أفريقيا


لإطار 1. حقائق إيبولا وإطاره الزمني
  • المرض
  • مرض إيبولا هو حمى نزفية ناجمة عن فيروسات خيطية filoviruses. وهناك خمسة أنواع معروفة من فيروس إيبولا.
  • انتقال العدوى من الحيوانات
  • يمكن أن يصاب المرء بالمرض بعد اتصال وثيق بحيوانات مصابة مثل خفافيش الفاكهة، والقرَدة، والنسانيس..
  • الانتقال بين البشر
  • يمكن أن ينتقل المرض من شخص إلى آخر عن طريق ملامسة دم المصاب أو سوائل بدنه أو مَن لقوا حتفهم مؤخرًا بعدواه.
  • الخرافات
  • ما من دليل يثبت لفيروس إيبولا إمكانية انتشاره عن طريق الهواء أو الماء أو الغذاء أو البعوض.
  • حضانة العدوى
  • قد تظهر علامات إيبولا بعد يومين فقط من الإصابة بالفيروس أو في وقت متأخر ربما امتد إلى 21 يومًا. 
  • الأعراض
  • تشمل الأعراض حمى، وصداعًا، وآلامًا بالمفاصل والعضلات، والتهابًا في الحلق، وضعفًا عامًّا. مع زحف المرض يصاب المريض بإسهال، وقيء، وطفح جلدي، وآلام في المعدة، وتلف بالكلى والكبد. وفي المراحل المتقدمة، يحدث نزيف داخلي، فضلاً عن نزيف من الأنف والعينين والأذنين والفم. bleeding from the nose, eyes, ears and mouth.
  • الوفيات
  • يموت 50٪ على الأقل من المصابين بإيبولا. ولا يوجد علاج أو لقاح معتمد.
المصدر: مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها.[2]
 

مواطن ضعف تاريخية

فهم كيف تغلغل وباء إيبولا في غرب أفريقيا يتطلب بعض المعرفة بتاريخ المنطقة. فقد دمرت عقود من الحرب الأهلية أنظمة الرعاية الصحية والبنية التحتية العامة في جميع أنحاء غينيا وليبيريا وسيراليون. يعتمد السكان بشكل عام على علاجات ’بديلة‘ غير قائمة على أدلة. ويعد التطبيب الذاتي أو اللجوء إلى المعالجين التقليديين أمرًا شائعًا في المنطقة؛ لأن المرضى لا يمكنهم الاعتماد على وجود ما يكفي من الموظفين أو المخزونات أو المعدات في المرافق التي تديرها الحكومة. وخلال الوباء، أقبل الناس في كثير من الأحيان على مقدمي الرعاية الصحية غير الرسميين لسبب آخر: هو الآراء المنتشرة بأن المستشفيات ومرافق الرعاية الصحية –خاصة تلك التي تديرها منظمات دولية– كانت مصدرًا لعدوى إيبولا.
 
وصارت الشائعات والمعلومات المضللة عن إيبولا مُسَيَّسة بشكل كبير في سيراليون، على سبيل المثال. وعندما ظهرت الحالات الأول في منطقة كايلاهون شرقي سيراليون، معقل حزب المعارضة الرئيس، أثيرت شائعات عن أن الحزب الحاكم في البلاد قد أنشأ ’فرق الموت‘؛ لاستدراج مجتمعات بأسرها إلى مراكز العلاج وإعطائها حقنة قاتلة، والحد من دعم المعارضة. وبالمثل، اتهم الناس في ليبيريا الرئيسة إلين جونسون سيرليف بتسميم المواطنين عمدًا، وبالمبالغة في حجم الوباء من أجل الحصول على أموال الجهات المانحة الدولية.[7]
 
ويقوض التواصل أيضًا ضعف البنية التحتية: فلا سبيل لنجاح استراتيجية تواصل –ربما تبدو الأنسب– إذا لم تكن هناك طرق أو شبكات مواصلات لنقل المرضى إلى العيادة لتلقي العلاج، أو إذا كانت شبكة الاتصالات السلكية واللاسلكية الضعيفة تعني ألا تصل رسائل الصحة العامة إلى جميع أنحاء البلاد. وعلى النقيض من ذلك، تتصف حركة السكان في غرب أفريقيا بالسلاسة. ويقدر تنقل السكان هنا بسبعة أضعافه في بقية دول العالم.[8] ويشمل التدفق البشري المستمر تجارًا، وأُسرًا، وأشخاصًا يلتمسون رعاية صحية أقرب إلى بيوت أجدادهم. وتكاد تكون السيطرة على الحركة عبر الحدود وداخل البلدان ضربًا من المستحيل؛ وذلك يجعل عددًا أكبر من الناس معرضين للإصابة بالفيروس، ونقله إلى سكان جدد.
 
إذا أسيء فهم هذه القضايا، فمن شأنها التأثير أيضًا على نظرة المجتمع الدولي لها. خلال هذه الفاشية، كثيرًا ما تم تعميم المواقف المحلية إزاء إيبولا على منطقة أو بلد بالكامل، أو قولبتها بوصفها تتصل بمعتقدات السحر أو العلاج التقليدي، التي تُعَد عقبات أمام تحقيق السيطرة الطبية على الفاشية.[9]
 
تُظهر هذه التجارب بوضوح أن التواصل هو أقصر الطرق لقضايا عديدة يتجاوز نطاقها الدقة العلمية لتدابير الصحة العامة، وأن له تأثيرات حقيقية على الاستجابة الطارئة. من دون استراتيجية اتصال فعالة لتعبئة المجتمعات أو تنظيمها، قد لا يلتمس السكان المحليون العلاج عند الاشتباه في عدوى. وبلا تواصل فعال بين المؤسسات العاملة على الأرض، لن توجه الموارد إلى حيث تشتد الحاجة إليها. وما لم تتشارك الحكومات المعلومات، ستتأثر إدارة الفاشية عبر الحدود.
 
التواصل عنصر حيوي

لكي تنجح جهود السيطرة على وباء، يجب أن تتضافر التدخلات لتكوين حل مناسب. إذا كانت (التدخلات) قليلة جدًّا، أو في توقيت غير مناسب، أو كانت غير ملائمة، ستفشل الاستجابة. وثمة ورقة توجيهية من منظمة المساعدات الطبية الخيرية أطباء بلا حدود –التي كانت أول الحضور على الساحة في غرب أفريقيا، وفي طليعة الجهود الرامية إلى التصدي للوباء– تصف الاستجابة لإيبولا بأنها تعاني ”قصورًا خطيرًا“، بين موظفين غير مؤهلين ونقص حاد في المرافق، خاصة في المناطق الريفية.[10]
 
يتضح من هذه التجربة، وطوارئ صحية أخرى أيضًا، أن للتواصل –في أحيان كثيرة– تأثيرًا حاسمًا على نجاح تدخل معين، من عدمه. ووجدت دراسة أجريت في المملكة المتحدة خلال جائحة الإنفلونزا في 2009 أن الإقبال على التصرفات الوقائية من الفيروس، كشراء مواد معقمة لليدين، ارتبط بشكل واضح بزيادة التغطية الإعلامية والإعلانات المتعلقة بإنفلونزا الخنازير.[11] وفي الولايات المتحدة، أظهر استطلاع للرأي أجرته مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، في غضون عشرة أيام من أول إبلاغ عن إنفلونزا الخنازير في البلاد، أن معظم المواطنين الأمريكيين كانوا على دراية بالحقائق الأساسية حول المرض وكيفية اتقائه. يرجع الفضل في هذا بصورة عامة إلى التواصل العلني والصريح بشأن الوباء.[12] كذلك وفرة من الأدلة تشير إلى الدور الأساسي الذي لعبه التواصل في التصدي لفيروس عوز المناعة البشرية أو الإيدز، فهو يؤثر على المعارف، والمواقف، والسلوكيات المحفوفة بالمخاطر، وقرارات طلب الرعاية والالتزام بالعلاج.[13]
 
وخلال فاشية إيبولا في غرب أفريقيا، قال عضو بارز في فريق استجابة منظمة أطباء بلا حدود في غينيا إن تركيز المؤسسة الخيرية الشديد على الحاجة لمزيد من أَسِرة العلاج جاء على حساب الاهتمام الكافي بإيصال رسائل الصحة العامة والتوجيه للمجتمعات.[14] كانت النتيجة مقاومة فرق الاستجابة لإيبولا (انظر الإطار 2). وعندما يصدر هذا الرأي عن مؤسسة يمكن القول إنها أكبر مساهم في الاستجابة، فهو يضع دور التواصل في أثناء الأزمات الصحية في دائرة الضوء مرة أخرى.

الإطار 2. مقاومة الاستجابة لفاشية إيبولا في غرب أفريقيا
شهدت غينيا مقاومة كبيرة للجهود الرسمية عند مخاطبة الناس بشأن إيبولا، ومحاولة تتبع معارف الأشخاص المصابين. وفي سبتمبر 2014، قُتل ثمانية مسؤولين، وعاملين في الرعاية الصحية، وصحفيين محليين حاولوا زيادة الوعي بالمرض، على أيدي مجموعة من السكان الغاضبين في قرية وومِاي في غينيا.[15] ويذكر تقرير صدر مؤخرًا تفاصيل تعَرُّض فرق الصليب الأحمر لعشر هجمات في المتوسط شهريًّا في غينيا منذ بدء فاشية إيبولا، ويتضمن ذلك تعَرُّض فرق إجراء الدفن الآمن للرشق بالحجارة.[16] وأبدى ويست بوينت –أكبر حي فقير في مونروفيا، ليبيريا– أيضًا مقاومة شديدة. وأدى هجوم على مركز للحجر الصحي في أغسطس 2014 إلى إجلاء مرضى مُعْدين، وإخلاء المرفق من المعدات الطبية والفرش. وعندما فرضت الحكومة حصارًا على هذا الحي، أعقب ذلك أعمال عنف، فيما احتج سكان على نقص الغذاء، وعلى عدم جمع الجثث. وقُتل صبي يبلغ من العمر 15 عامًا برصاص الشرطة خلال هذه الواقعة.[17]

بناء العلاقات

بشكل عام، لم تعط المنظمات المعنية بالاستجابة لإيبولا أولوية لبناء علاقات مع المجتمعات المحلية المتضررة منذ البداية. ولم تضع صورة مفصلة عن تصورات الناس وخبراتهم، وهذا أدى إلى نمو مشاعر الاستياء. وينجح تبادل المعلومات على أفضل وجه عندما يُقام حوار يديره سكان محليون مدربون بوصفهم فريق تعبئة جماهيرية؛ لأن الأشخاص المعروفين للمجتمع أكثر قدرة على إشراك الآخرين في الحوار، ويمكن ائتمانهم على مخاوفهم.

ومن المهم كذلك أن يُدار حوار بين البلدان، والحكومات المحلية والوطنية. لا بد من مناقشة المخاوف بشأن الموارد اللازمة لمعالجة الوباء أو أنماط انتشار الإيبولا المحلية مع الحكومة الوطنية. وفي المقابل، يتعين تمرير المبادئ التوجيهية ومستجدات القضايا، مثل بدل المخاطر (التعويض عن العمل في ظل ظروف خطيرة) أو إجراءات الحجر الصحي، وصولاً إلى المستوى المحلي.

وعلى المستوى الوطني، يساعد التنسيق على مواءمة استراتيجيات التواصل والاحتواء، ويجعل تدفق الناس عبر الحدود في المنطقة هذا أمرًا حاسمًا. ففي يناير، أعربت منظمة أطباء بلا حدود عن مخاوفها إزاء عدم تبادل المعلومات بين الدول.[18] هناك بوادر تحسن الآن، فقد وقعت مذكرة تفاهم بين مقاطعة كامبيا، في سيراليون، ومحافظة فوركارياة المجاورة، في غينيا. يوجز ذلك الاتفاق عقد مناقشات مشتركة، وتقاسم جهود التوعية المجتمعية، والموارد اللازمة لمعالجة هذا الوباء. وكما هو الحال في المحادثات رفيعة المستوى، يمكن تنظيم استراتيجيات عملية من خلال مناقشات بين فرق الاستجابة في المقاطعات المتجاورة عبر الحدود.

ويحتاج جميع الشركاء المعنيين بالاستجابة (انظر الشكل 3) إلى تواصل فعال. إن أعدادهم الكبيرة وتفويضاتهم المختلفة تجعل تنسيق أنشطة التواصل معقدًا للغاية. لكن هذا هو الوضع الطبيعي في الأزمات الصحية: وشن استجابة طارئة يتطلب عادة خبرة واسعة في مجالات شتى، من الرعاية الطبية إلى إدارة البيانات إلى الخدمات اللوجستية. ولكن حجم التحدي في غرب أفريقيا كان غير مسبوق. وفي ظل عدد قليل جدًّا من الهياكل القائمة في البلدان المتضررة، كان على فرق الاستجابة البدء من الصفر تقريبًا. كان الوضع يقتضي احتشاد الجميع على خط الجبهة.

وقد تُرجم الاهتمام العالمي المكثف بهذه الفاشية أيضًا إلى تزايد الطلب على المعلومات من سائر الأزمات الصحية (انظر الإطار 3 للاطلاع على ملخص المصادر). وفي الوقت الحاضر، لا تصدر المواد المنتجة بهدف مساعدة المنظمات غير الحكومية ومنظمات أخرى على توعية المجتمعات بوباء إيبولا إلا بعد الموافقة عليها من قبل الوزارة المعنية في كل بلد، وشركاء ذوي خبرة فنية أو علمية مثل منظمة يونيسف (منظمة الأمم المتحدة للطفولة). هذا يقلل من خطر نشر معلومات كاذبة وشائعات.
 

Ebola 6
الشكل 3. العلاقات ووسائل التواصل الرئيسة في الاستجابة لفاشية إيبولا. انقر هنا لتكبير الصورة
 
الإطار 3. مصادر تحديثات الإيبولا
تقدم منظمة الصحة العالمية تقارير حالة أسبوعية، وكثيرًا ما يجري تداول أرقامها في وسائل الإعلام
تنتج بعثة الأمم المتحدة للاستجابة الطارئة للإيبولا تقارير حالة، وتوجيهات، وملاحظات الاجتماع، وغيرها من الموارد
تصدر منظمة أطباء بلا حدود تحديثات الأزمة، وأدلة تفاعلية، ومدونات من الميدان
توفر كل من وزارة الصحة والصرف الصحي في سيراليون، ووزارة الصحة والرعاية الاجتماعية في ليبيريا تقارير حالة يومية. تستند هذه التقارير إلى تحقيقات وبائية بدعم من منظمة الصحة العالمية، ولكن بعضها يكون قديمًا وقت إصدارها، وخاصة في المراحل المبكرة من هذا الوباء.
أدوات التواصل

لقد استُخدِمت وسائل تواصل مختلفة، سواء أكانت تقليدية أو مبتكرة؛ لمحاربة إيبولا. كانت الصحف والإذاعة والتلفزيون كافة تبث رسائل ومناقشات حول إيبولا بصفة مستمرة تقريبًا، على الصعيدين المحلي والوطني على حد سواء في غينيا وليبيريا وسيراليون.
 
للراديو أهمية خاصة في المنطقة وفي كثير من بلدان العالم النامية. وقدرت دراسة في عام 2011 أن 86٪ من النساء يستمعن إلى الراديو في سيراليون، و81٪ في ليبيريا و74٪ في غينيا.[19] وقد أدرجت البرامج الإذاعية في المنطقة إعلانات الخدمة العامة القصيرة عن إيبولا، وبرامج حلقة النقاش حيث يمكن للجمهور الاتصال أو إرسال أسئلتهم في رسائل نصية إلى العرض، وأعمال درامية إذاعية أطول. وأنتجت بي بي سي ميديا آكشن، على سبيل المثال، الدراما الإذاعية ’السيد المدبر وبيبو أوه‘، التي بُثت مرارًا وتكرارًا في كل بلد متضررة.
 
لقد أُنتج البرنامج للرد على الرسائل الهائلة عن ”ما لا ينبغي فعله“ في أثناء الفاشية، مع التركيز على ما يمكن أن يقوم الناس به للتأهب؛ لوقف انتشار الفيروس، والاستجابة إذا أصيب شخص ممن حولهم.[20]
 
وبينما تمثل خدمات المراسلة الفورية مثل WhatsApp أدوات مهمة للغاية في تبادل المعلومات بشكل غير رسمي أيضًا، كان لها آثار مفيدة وضارة. لقد استخدمها الناس للمشاركة في مناقشات جماعية كبيرة، حيث يجري تبادل معلومات الإحاطات الإعلامية الرسمية والبيانات الصحفية والمقالات الإخبارية، جنبًا إلى جنب مع الشائعات ومخاوف أعضاء المجموعة. وفي حين يتيح هذا وصول أحدث المعلومات إلى كثير من الناس على الفور تقريبًا، فإن مخاطر نشر معلومات مضللة مرتفع للغاية. فالمحادثات لا تخضع لإشراف، والرسائل الخادعة ذائعة.
 
وقد أدت الفاشية أيضًا إلى الابتكار. فقد طورت منظمات مثل اليونيسف وشركة آي بي إم نظمًا بحيث يتصل الناس أو يبعثون برسالة نصية للإبلاغ عن مخاوفهم بشأن الاستجابة، ويوفرون معلومات آنية لوزارة الصحة ومراكز الاستجابة بالمقاطعة عن الأماكن التي ينبغي توجيه الموارد إليها.[21] وكُتِبت عدة أغنيات عن إيبولا: لنشر الرسائل، أو في ذكرى الضحايا، أو كتصريحات سياسية. على سبيل المثال، تعبر أغنية بعنوان ’إيبولا الأبيض‘ عن الريبة المنتشرة والإنكار في بداية هذا الوباء.[22] وصمم التحالف العالمي للتحصين من الإيدز (GAIA) نمطًا سرديًّا يُطبع على الملابس، مصممًا كي يرتديه عمال الصحة المتحدثون مع المجتمعات المحلية.[23]

ebola basics 2
حمل صحيفة الوقائع القابلة للمشاركة عن إيبولا من هنا (844KB)

المعلومات المقدمة والمعلومات المطلوبة

لا تتطابق دائمًا المعلومات التي تقدمها وكالات مختلفة والمعلومات التي يحتاجها المتضررون.

فقد اكتشفت أبحاث أُجريت في ليبيريا أنه في حين يعتقد قادة المجتمع أنهم فهموا الرسائل الأساسية حول الفيروس وانتقاله، قالوا أيضًا إنهم لم يمنحوا أي مشورة بشأن كيفية إدارة المرضى في مجتمعاتهم على أرض الواقع.[20] وتشير الشواهد المتفرقة أيضًا إلى أنه في أثناء تدفق المعلومات وصولاً إلى المجتمع، تطغى تقارير غير رسمية من عامة الجمهور على المعلومات العلمية. هذا لا يعني بالضرورة أن الناس يتجاهلون المواد التعليمية عن الفيروس، لكن الأحرى أن الجمهور أكثر انشغالاً بكيفية تأثير الفاشية على حياتهم اليومية. على سبيل المثال، حولت المعلومات المنتشرة عبر شبكات غير رسمية في سيراليون التركيز تدريجيًّا من إنكار أن الإيبولا واقع حقيقي والتشكيك في الطب، إلى شائعات تحيط عمليات الحصار المفروض وتأثيرها على الجمهور العام.

ففي المراحل الأولى من الفاشية، أكدت وكالات ذات خبرة فنية -مثل منظمة الصحة العالمية- بشدة على عدم تناول لحوم الطرائد بوصفها استراتيجية للسيطرة. وعلى الرغم من ربط الأبحاث بين لحوم الطرائد وانتشار انتقال إيبولا من الحيوانات إلى البشر، يبدو الخطر مقصورًا على الأشخاص الذين يصطادون ويعدون اللحوم النيئة، وبمجرد تغلغل الفاشية، يصير التفاعل مع الناس هو ما ينشر الوباء.[24] ولكن هذا الفارق البسيط في المعرفة العلمية أُغفل في البداية، وكانت له عواقب وخيمة. لقد خاطرت الرسائل الأوَل بتضليل المجتمعات للاعتقاد بأن تجنب لحوم الطرائد أكثر أهمية من عدم لمس الجثث.[25]

شعر الكثيرون أيضًا أن الرسائل عن الإيبولا جاءت سلبية وضارّة (مع التركيز على عدم وجود أي علاج لهذا الفيروس، على سبيل المثال)، ومربكة، وتفتقر إلى تفسيرات أسباب تجنب بعض السلوكيات.[26] وكثيرًا ما كانت الرسائل المقدمة وقائعية السرد، وعظية النبرة، ولا تدعمها إيضاحات أو معلومات عملية عن كيفية إدارة الفيروس في المجتمع.

الاستجابة تبدأ من السكان المحليين

يمثل إعطاء رسائل وتعليمات دون تقديم معلومات أو تدريب يتيح للمجتمعات تطوير استجابة خاصة بها، صعوبة متكررة في فاشيات المرض.[27] وفي كثير من الأحيان، يتم توجيه رسائل الصحة العامة دون اعتبار يُذكر للسياق المجتمعي، وتنحى المعتقدات الاجتماعية والثقافية باعتبارها عوائق لاحتواء المرض فعليًّا. وفي هذه الفاشية، ساعد نفاذ بصيرة العلوم الاجتماعية على تسهيل الحوار، وبلورة فهم السياق الاجتماعي، وتكييف الممارسات بحيث تصبح حساسة ثقافيًّا.
 
لا يمكن المبالغة في أهمية المبادرات المجتمعية في الاستجابة لإيبولا، لا سيما في المناطق الريفية حيث تهيمن هياكل القيادة التقليدية (انظر الإطار 4). ويتمتع رؤساء القبائل، والزعماء الدينيون، والمعالجون التقليديون، وغيرهم من قادة المجتمع المدني كافة بنفوذ كبير، ومشاركتهم ودعمهم قد يكونان السبب وراء نجاح جهود الاستجابة المحلية لإيبولا أو إحباطها. إذا أردنا فهم هموم الناس ومعالجتها من خلال جهود التواصل، "فالمشاركة" المحلية ضرورية.

يمكن للمرء القول إن عدم الاستماع للشواغل المحلية يميز الاستجابة الطارئة للصحة العامة في كل مكان، وليس فقط في الدول ضعيفة الموارد. على سبيل المثال، عقب فاشية الحصبة التي بدأت في ديزني لاند بولاية كاليفورنيا الأمريكية في ديسمبر عام 2014، كان هناك إدانة فورية وواسعة النطاق للحركة المناهضة للتطعيم. لكن بعض الآباء والأمهات الذين كانوا ضد اللقاح رجعوا عن قرارهم، وأخذوا أطفالهم للتطعيم بعد توافر فرصة لمناقشة الأسباب وراء ترددهم بصراحة مع طبيبهم، بدلاً من نبذ مخاوفهم على الفور لكونها غير مسؤولة.[28] وقد يجادل البعض أيضًا بأن الريبة والخوف، اللذَين يؤججهما تاريخ طويل من الدعاية السلبية للقاح MMR (الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية) المركب، يسهمان في مخاوف الآباء والأمهات الأولية – فقط ليطغى على هذه المشاعر التهديد الوشيك للوباء الناشئ.
الإطار 4. أمثلة على التعبئة الجماهيرية ضد إيبولا في غرب أفريقيا
تدرك المجتمعات المحلية ما ينبغي فعله للاستجابة بفاعلية لفاشيات المرض. وهناك مثال جوهري على ذلك خلال فاشية سابقة لإيبولا في أوغندا. بادئ ذي بدء، ظن الناس أنهم مصابون بمرض شائع، والتمسوا كلا من العلاجات الطبية والتقليدية. لكنهم سرعان ما أدركوا أنه كان أشد خطورة، وبدأوا يتحدثون عن مرضهم بوصفه من أفعال روح شريرة للغاية. بمجرد أن تطرق حديثهم فيما بينهم عن الفاشية إلى هذه المفردات، فُرِضَ حجر صحي ذاتي على الأسر المتضررة؛ خشية أن تؤثر الروح الشريرة على أي شخص آخر، وتم احتواء الفاشية بنجاح.[29]
 
وفي أثناء الفاشية الحالية، دعا علماء الأنثروبولوجيا الاجتماعية قادة المجتمع وذوي الرأي من القرى ’المقاومة‘ في غينيا إلى ورشة عمل مع المنظمات المعنية بالاستجابة. كان الهدف هو التأكد من سماع صوت السكان، ووضع استراتيجية مشتركة للعمل والتوجيه قائمة على احتياجاتهم ومخاوفهم.[5] ونتيجة لذلك، التزم قادة المجتمع علنًا بضمان تدريب مجتمعاتهم على ممارسات النظافة الصحية الأساسية، وتعهدوا بتخفيف حدة مقاومتها لفرق تتبع الفيروس. في المقابل، وافقت منظمات الاستجابة على توفير موارد؛ لتحقيق إدارة لامركزية للوباء، وضمان أن تعبر الاستجابة عن الاحتياجات المحلية بصورة أفضل.ودعت لجنة الإنقاذ الدولية (IRC) إلى تزعم السكان المحليين عملية تطوير استراتيجيات الوقاية داخل منطقتهم، بدلاً من إيصال الرسائل التي وضعتها منظمات أخرى ببساطة، ودون مشاركة محلية في المعتاد.[30]

وشجعت لجنة الإنقاذ الدولية أيضًا ’الملكية‘ المحلية لجهود الاستجابة من خلال تطوير نظام للإنذار المبكر، يعمل في إطاره موظفو صحة المجتمع المرشحون كمراقبين، يبلغون عن أي أحداث مثيرة للقلق في المجتمع عن طريق الهاتف المحمول. يقتضي أي تقرير حينئذٍ زيارة من عامل مراقبة للتحقيق في الأمر.[31]

ونظم اتحاد العمل المعني بالتعبئة الجماهيرية SMAC في سيراليون لقاء مجموعة من خمس منظمات معنيه بالاستجابة لإيبولا –بي بي سي ميديا آكشن، ومنظمة التركيز ’Focus 1000، ومنظمة الهدفGOAL، ومنظمة تنمية لا تكل، والمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها– لقيادة أكبر جهود للتعبئة الجماهيرية في تاريخ البلاد.[32] وينصب نهجهم على تشجيع العمل بقيادة المجتمع المحلي؛ من خلال تدريب المجتمعات المحلية وتمكينها من التصرف وتحمل مسؤولية مواجهة الفاشية داخل منطقتهم.











































الإنصات والتعلم
ليس هناك شك في أن نظم إدارة الأزمات، وبخاصة التواصل في أثناء الأزمات، يمكن –بل ينبغي– مراجعتها في ضوء هذه الفاشية غير المسبوقة. التواصل الفعال صار معقدًا جدًّا، ولكن ثمة فرصة –والوباء ينحسر– لاستعراض الممارسات واستخلاص العبر.
 
في هذه المرحلة، لا توجد أوامر ونواهي محددة، ولكن هناك قصص نجاح يمكن استلهامها، ويتضمن ذلك استجابات وابتكارات ومبادرات مؤسسية يقودها الناس، مشار إليها أعلاه. ومع هذا العدد الكبير من الشركاء المعنيين، من المهم أيضًا أن تنسق الاتصالات من نقطة مرجعية واحدة، ويفضل أن تكون في إطار الاستجابة على مستوى المقاطعة.

وسوف يكون المنسقون مسؤولين عن معرفة مَن لديه معلومات، ومَن يحتاج إليها، وأفضل السبل لمشاركتها، وهذا من شأنه المساعدة على ضمان معرفة الناس بالضالعين في تبادل المعلومات، وكيف يتم ذلك.
 
أظهرت هذه الفاشية أيضًا قيمة استراتيجيات التواصل التي تبدأ بالإنصات إلى المخاوف المحلية، وتستمر من خلال حوار دائم. ولا بد من ربط هذه المبادرات بأنظمة التنسيق الخاصة بالمقاطعة والأنظمة الحكومية؛ ليتم تمثيل احتياجات الناس في المناقشات الرفيعة المستوى. وهذا مهم، لا سيما في المواقف التي يغلب عليها الارتياب، والحرج الاجتماعي، والمعلومات المضللة. ولا سبيل للتغلب على التحديات، واكتساب الثقة، ووضع حد لأوبئة مدمرة مثل إيبولا غير تبادل المعلومات علنًا، وإجراء حوار على جميع المستويات.
 
إليزابيث سِمَوِت باحثة في كلية لندن للصحة العامة والطب الاستوائي، المملكة المتحدة، وتعيش حاليا في سيراليون. وتعمل في إطار مشروع الثقة في اللقاحات، الذي يدرس المحددات الاجتماعية والسياسية لثقة الجمهور في البرامج الصحية. ويمكن التواصل معها على [email protected]
 
 التحليل منشور بالنسخة الدولية يمكنكم مطالعته عبر العنوان التالي:
  Communicating in a crisis like Ebola: Facts and figures

هذه المقالة هي جزء من إضاءات، إدارة الأزمات الصحية بعد إيبولا.

المراجع

[1] The economic impact of the 2014 Ebola epidemic: short and medium term estimates for West Africa (World Bank, October 2014)
[2] Transmission | Ebola haemorrhagic fever (Centers for Disease Control and Prevention, updated 9 April 2015)
[3] Outbreaks chronology: Ebola virus disease (Centers for Disease Control and Prevention, updated 20 April 2015)
[4] Ebola situation report (WHO, 25 March 2015)
[5] Julienne N. Anoko Communication with rebellious communities during an outbreak of Ebola Virus Disease in Guinea: an anthropological approach (ebola-anthropology.net, accessed 12 April 2015)
[6] Ashoka Mukpo The biggest concern of the Ebola outbreak is political, not medical (Aljazeera America, 12 August 2014)
[7] Helen Epstein Ebola in Liberia: an epidemic of rumors (The New York Review of Books, 18 December 2014)
[8] Atlas on Regional Integration in West Africa Population series: migration (ECOWAS-SWAC/OECD, August 2006)
[9] Jared Jones Ebola, emerging: the limitations of culturalist discourses in epidemiology (The Journal of Global Health, accessed 12 April 2015) 
[10] Ebola response: where are we now? (Médecins Sans Frontières, December 2014)
[11] G. J. Rubin and others The impact of communications about swine flu (influenza A H1N1v) on public responses to the outbreak: results from 36 national telephone surveys in the UK (Health Technology Assessment, July 2010)
[12] Brendan Maher Swine flu: crisis communicator (Nature, 13 January 2010)
[13] Douglas Storey and others What is health communication and how does it affect the HIV/AIDS continuum of care? A brief primer and case study from New York City (Journal of Acquired Immune Deficiency Syndromes, August 2014)
[14] Misha Hussain MSF says lack of public health messages on Ebola ‘big mistake’ (Reuters, 4 February 2015)
[15] Amy Brittain The fear of Ebola led to slayings — and a whole village was punished (The Washington Post, 28 February 2015)
[16] Ebola crisis: Red Cross says Guinea aid workers face attacks (BBC News, 12 February 2015)
[17] Joe Shute Ebola: inside Liberia's West Point slum (The Telegraph, 16 December 2014)
[18] An encouraging decline in Ebola cases, but critical gaps remain (Médecins Sans Frontières, 26 January 2015)
[19] Frances Fortune and others Community radio, gender and ICTs in West Africa: how women are engaging with community radio through mobile phone technologies (Search for Common Ground, July 2011)
[20] Sharon A. Abramowitz and others Community-centered responses to Ebola in urban Liberia: the view from below (ebola-anthropology.net, December 2014)
[21] Ebola tracking system for Sierra Leone offered by IBM (BBC News, 27 October 2014)
[22] Boima Tucker Beats, rhymes and Ebola (Cultural Anthropology, 7 October 2014)
[23] GAIA brings educational textile design to the field of public health (Global Alliance to Immunize against Aids, accessed 12 April 2015)
[24] Information note: Ebola and food safety (WHO, 24 August 2014)
[25] Ebola (Institute of Development Studies, accessed 16 April 2015) 
[26] Obinna Anyadike Ebola, is culture the real killer? (IRIN, 29 January 2015)
[27] Clare Chandler and others Ebola: limitations of correcting misinformation (The Lancet, 4 April 2015)
[28] Andrew Gumbel Disneyland measles outbreak leaves many anti-vaccination parents unmoved (The Guardian, 25 January 2015)
[29] Barry S. Hewlett and Richard P. Amola Cultural contexts of Ebola in Northern Uganda (Emerging Infectious Diseases, 2003)
[30] IRC community-partnership approach helps reduce Ebola spread in targeted West African communities (International Rescue Committee, 9 October 2014)
[31] Kulsoom Rizvi The IRC and partners pilot a community ‘early warning system’ for Ebola (IRC, 9 February 2015)
[32] Ebola response: triggering local communities to prevent Ebola (Restless Development, accessed 12 April 2015)  
إعادة نشر المقال:
نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.