نقرن العلم بالتنمية عبر الأخبار والتحليلات

حول العالم العربي.. الإبداع من أجل الفقراء
  • حول العالم العربي.. الإبداع من أجل الفقراء

حقوق الصورة: Flickr/ world bank/ Arne Hoel

نقاط للقراءة السريعة

  • يمثل الإبداع التكنولوجي ضرورة لجَسر الفجوة بين الطلب الصامت والسوق

  • ليس لدى الفقراء العاملين بالمنازل أو بمنشآت الصناعات الصغيرة أية إمكانات للبحث والتطوير

  • كي يدخل الفقير في دائرة التغير والتغيير لا بد من مساعدته تقنيا على إطلاق طاقاته واكتشاف قدراته وتوظيفها

Shares
يدعو الموصلي إلى بلورة قوى دافعة لتطوير صناعات الفقراء تقنيا، بما يمكنها من المنافسة وإطلاق طاقات الشعوب العربية

في هندسة الإنتاج والتصميم، وهو المجال الذي أنتمي إليه، تعودنا -نحن أساتذة الهندسة- أن نعرض خدماتنا على رجال الصناعة، وننتظر أن يكون لنا دور في تحسين ظروف الإنتاج أو رفع الكفاءة، إلى غير ذلك، وأن نوجه بحوثنا وبحوث شباب الباحثين الذين يعملون تحت إشرافنا لخدمة الصناعة.

أتكلم عن النموذج السائد لدينا للإنجاز والتحقق في الحياة العملية، ولا ريب هذا حسن، إن كان ممكنًا، فغالبًا ما يفضل رجال الصناعة مشروعات تسليم المفتاح؛ عملاً بالقول المأثور لدينا: ”شراء العبد ولا تربيته“، ويؤثرون الحلول الجاهزة الواردة من الخارج على تلك التي يقدِّمها العلماء والباحثون من أبناء وطنهم أو الاعتماد عليها.

أعتقد أن التوجُّه نفسه سائد في باقي تخصصات الهندسة، كالعمارة والمدني والكهرباء... إلى آخرها؛ أي التوجه إلى الأعمال الكبيرة أو إلى تلبية طلب الشرائح الاجتماعية العليا من السلع والخدمات.

بيد أن ثمة طلبًا لشرائح اجتماعية أكثر احتياجًا، غير قادرة على التعبير عن نفسها سوقيًّا، وهذا الذي يُطلق عليه: الطلب الصامت، والأمثلة عليه كثيرة، مثل مواد بناء محلية ورخيصة الثمن، وسائل صرف صحي مناسبة، مصادر طاقة بديلة في الريف، وصولاً لخدمات تكنولوجيا المعلومات.

من ثَم تبرز الحاجة في هذه الحالة إلى قوة دفع تكنولوجي، في مقابل قوى الشد التي تمثلها الشرائح الاجتماعية القادرة على التأثير على السوق، للوصول إلى ذوي الحاجات، ومساعدتهم على ترجمة طلبهم الصامت إلى طلب فعَّال تستجيب له السوق.

هنا يمثل الإبداع التكنولوجي ضرورة لجَسر الفجوة بين الطلب الصامت والسوق.
 
نموذج مختلف عنا

أسوق لمقصدي نموذجًا من الهند؛ إذ شهد مؤتمر الاتصالات العالمية الذي انعقد في بنجالور عام 1998 بدايات نشأة الحاسب البسيط، حيث ناقشت مجموعة من رجال الصناعة وأساتذة الجامعات فكرة حاسب يناسب الإنسان الهندي العادي، ويقوم بالوظائف التي يحتاجها أبناء المجتمعات المحلية في المدن الصغيرة والقرى، وما يتطلبه ذلك من تغيير في تصميم الحاسب واختيار أساليب التشغيل الملائمة التي تيسر استخدامه على العامة بما فيهم الأميين، والبرامج التي تسمح باستخدام اللغات المحلية؛ فالبلاد تتكلم بنحو 22 لغة.

كان من نتاج المؤتمر أن أنشئ تجمع غير هادف للربح، ضم العديد من الأكاديميين وخبراء التكنولوجيا الحريصين على إفادة قطاعات واسعة من المجتمع من إمكانات الحاسب.
أخرج هذا إلى الوجود ما سمي بالسمبيوتر simple computer، وهو حاسب محمول منخفض التكلفة لا يتعدى ثمنه 200 دولار أمريكى، يعمل ببطاريات بسيطة يمكن شحنها يدويا، ويمكن أن يعمل بالطاقة الشمسية، لا يحتاج إلى برامج ويندوز، بل ويعمل بنظام التشغيل لينوكس المتاح مجانيا، ومزود ببرنامج يسمح بالتعرف على الخطوط اليدوية، أو بتلقي الأوامر شفاهة، ما يسر للأميين استخدامه، كما أنه مصمم كي يعمل ببطاقة ذكية، ما سمح بتشارك العديد من الأفراد في استخدام جهاز واحد أو تأجيره.

إبداعنا من أجل الفقراء

في البداية لا بد من تحرير المصطلح، لذا أود أن أفرِّق بين الفقر بمعناه العام ومغزاه المرتبط بالفئات الاجتماعية الأكثر احتياجا، فالفقر بمعناه الأول تعانيه مجتمعاتنا العربية كلها، وأقصد به فقر الفكر والخيال، وأزعم أن لدينا ثقافة سائدة تسهم في إعادة إنتاج الفقر بالمعنى السابق، وأعني بها ثقافة التبعية للخارج والاعتماد -في حل أغلب مشكلاتنا على المستوى المحلي- على الحلول الجاهزة الواردة من الخارج.

أما الفقر بمغزاه الاجتماعي فهو ذلك المستوى من الحرمان القسري من وسائل إشباع الحاجات الأساسية، الذي يضير بفرص الفرد أو الجماعة فى إنضاج القدرات البشرية والوصول بها إلى حد التأثير في المجال العام، بهذا المدلول، لا ينبت الفقر طبيعيا كالأشجار، ولا هو مسؤولية الفقراء وحدهم، بل هو بالأساس مسؤولية المجتمع ككل، والخسارة المجتمعية الأكبر الناتجة عن الفقر بالمعنى السابق تتمثل في إهدار القدرات البشرية للفقراء التي قد تدفَن إلى الأبد، وفي نضوب ينبوع النبوغ وانحسار الإبداع الإنساني نتيجة لذلك.

إنني أرى أن نبدأ الكفاح ضد الفقر بأن نكافح الصورة الراسخة في أذهاننا عن الفقير باعتباره طرفًا أدنى عاجزًا، ومجرد وعاء فارغٍ سلبي متلقٍ للإحسان. علينا أن ندرِّب أنفسنا على التعامل مع الفقير من أعلى الشلال كند ذي قدرات كامنة لكنها غير مفعَّلة، وأن نساعده على إطلاق طاقاته واكتشاف قدراته وتوظيفها في سياقات اجتماعية محددة تمكِّنه من أن يرى بنفسه ناتج عمله ويلمسه، فيدخل في دائرة جديدة للتغير والتغيير، وهكذا.

يدعوني ذلك إلى القول بأننا في الجمعية المصرية للتنمية الذاتية للمجتمعات المحلية، التي أشرف برئاستها، لم نكن أذكى من غيرنا، عندما حصلت جمعيتنا على منحة من وكالة التنمية السويدية Sida في إطار برنامجها المسمى: الإبداع في مواجهة الفقر، متصدرة المكانة الأولى على مستوى المتقدمين من الشرق الأوسط، وذلك عن مشروع للاستفادة من المنتجات الثانوية للنخيل في صناعة الأثاث والباركيه والكارينة وعلف الدواجن في قرية القايات شديدة الفقر بصعيد مصر.

أقول لسنا الأذكى، لكن الجمعية وجَّهت اهتمامها العلمي والتقني لأهل الريف والفقراء من عامة الناس، دفعها هذا دفعًا للاهتمام بما يحوزونه من موارد في أيديهم وأحيانًا حتى تحت أرجلهم، هذه الموارد كانت موجودة دائمًا أبدًا، لكنها كانت مختفية عن الباحثين والعلماء والمهندسين في دائرة الفقر: إنتاجًا وتصنيعًا واستهلاكًا.

لسنا الأذكى، إنما حاولنا أن نرى هذه الموارد التي أشاح جمهور العلماء والباحثين بوجهه عنها لأنها موسومة بالفقر، ولم تزل به موصومة، حاولنا أن نراها بعيون جديدة من أجل مساعدة الفقراء على أن ينمُّوا أنفسهم بأنفسهم، وأن يطلقوا من خلال التنمية طاقاتهم وقدراتهم، وأن يعبِّروا عن ذوات أنفسهم.
 
التطوير التكنولوجي مسؤولية من؟

يقول المثل الصيني: ”إذا أردت أن تساعد فقيرًا فلا تعطه سمكة ولكن أعطه شصا يصطاد به“، وودت لو جعلته: ”... ولكن ساعده في تطوير شصه“.

أسوق لإيضاح الفكرة مثال الحقيبة البلاستيكية، لماذا لها سوق على حين لا سوق لحقيبة الخوص؟ هل لأن البلاستيك يفضل الخوص ويعلو عليه من حيث خواص استعماله؟ كلا البتة، بل العكس هو الصحيح، فالخوص يتمتع بخواص فيزيقية وميكانيكية جيدة بالمقارنة بالبلاستيك، كما أنه يمتاز عن البلاستيك من زاوية الصحة العامة، وكذلك في إمكانية استخدامه بعد انتهاء العمر الافتراضي للحقيبة: في العلف الحيواني (يحتوي على 5% بروتين)، أو في التسميد لاحتوائه على السليلوز، أما البلاستيك فلا يمكن أن تتعامل معه الطبيعة؛ لأنه غير قابل للتحلل.

الإجابة: لأن البلاستيك تقوم بصنعه شركات متعددة الجنسيات، أما الحقيبة الخوص فتصنعها نساء القرى الفقيرات. أعني بذلك أنه في حين تحوز الشركات الكبيرة والشركات متعددة الجنسية على وجه الخصوص إمكانات هائلة للبحوث والتطوير فليس لدى الفقراء الذين يعملون في المنازل أو في منشآت الصناعات الصغيرة أية إمكانات تُذكر في هذا الإطار.

إن ترك هذا الموضوع لآليات السوق يعني القضاء على صناعات الفقراء، التي تواجهها منافسة شرسة على الصعيدين المحلي والعالمي من الشركات الكبيرة، وما يترتب على ذلك من آثار اجتماعية خطيرة.

إنني أعتقد أن ثمة ضرورة لأن تتولى الحكومات والجهات المانحة والمؤسسات والجمعيات الأهلية دعم التطوير التقني لهذه الصناعات. المطلوب هو بلورة قوى دافعة لهذا التطوير، بما يمكِّن صناعات الفقراء من المنافسة والازدهار، وإطلاق طاقات الغالبية من أبناء الشعوب العربية على الإبداع والعمل والإنتاج.

هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

 



إعادة نشر المقال:
نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.