نقرن العلم بالتنمية عبر الأخبار والتحليلات

كيف يمكنني أن أصبح صحفيا علميا؟
  • كيف يمكنني أن أصبح صحفيا علميا؟

حقوق الصورة: Flickr/Internews Network

Shares

لو كانت هناك صحيفة في عصر أوائل البشر، لتصدّر خبر اكتشاف النار صفحتها الأولى. لكن في ذلك الوقت -بطبيعة الحال- لم تكن هناك حاجة للصحف. كان المجتمع البشري صغيرًا، وكانت الغالبية العظمى من الناس تمارس علم إشعال النيران، أو كانت - على الأقل- على دراية به.

وعلى أية حال، فالعكس هو الصحيح في يومنا هذا؛ فالمجتمع كبير، في حين تُجرى التجارب العلمية في جميع أنحاء العالم من قبل عدد صغير نسبيا من الناس، الذين هم مختفون عادة عن الرأي العام في غياهب مختبراتهم. وبرغم أن ما يفعلونه يؤثّر على الجميع، إلا أن معظم الناس ما زالوا يجهلون إلى حد كبير كيفية استخدام هؤلاء العلماء لأموال دافعي الضرائب، وكيفية تأثير أبحاثهم على المجتمع. وبالتالي، هناك حاجة كبيرة للأفراد الذين يمكنهم العمل وسطاء بين العلماء وعموم الجمهور. وتحدّد هذه الحاجة بدرجة كبيرة دور الصحفي العلمي.

المتطلبات الأساسية

 إن المعرفة التفصيلية بالعلوم ليست بالضرورة هي الشرط الأكثر أهمية، إذ يتفق معظم رؤساء التحرير على أن التوليفة الملائمة للصحفي العلمي الجيد تتكون من 80 في المئة من المعرفة الصحفية الجيدة، بالإضافة إلى 20 في المئة من الاستعداد لتعلّم العلوم والكتابة عنها.

وعلى حد تعبير الراحل أنتوني تاكر، وهو المحرر العلمي السابق لصحيفة الجارديان البريطانية، فإن "الكتّاب العلميين، مثل كل الصحفيين الآخرين، يجب أن يمتلكوا شهية نهمة للقراءة، كما أن أفضلهم يمتلكون ذاكرة تشبه خزانة الملفات"، ومن جانبي، أود أن أضيف أنهم يجب أن يمتلكوا أيضا فضول الأطفال في ما يتعلق بالعالم المحيط بهم، وبكيفية عمله.

بدء العمل

ليس هناك مسار واحد بعينه للدخول إلى عالم الصحافة العلمية. هناك عدد من أعظم الكتاب العلميين، مثل والتر سوليفان الذي عمل في صحيفة نيويورك تايمز، وكذلك العديد من الكتاب العلميين الذين يكتبون حاليا في الصحف الرائدة في جميع أنحاء العالم، والذين قاموا بتعليم أنفسهم ذاتيًّا، على الأقل في ما يتعلق بقدراتهم التحريرية.

وعلى أية حال، هناك بعض الطرق المعروفة لبدء العمل في هذا الميدان. ومن أفضل الطرق المتاحة اليوم للانطلاق -والتي تُعد شبه ضرورية في بعض البلدان المتقدمة على الأقل- أن تحصل على دورة أو درجة علمية في الصحافة من مؤسسة علمية معترف بها. بيد أن هذه الدورات الدراسية لا تُركّز بالضرورة على الاحتياجات المحدّدة للصحفيين العلميين، على الرغم من أن عددا متزايدا منها يفعل ذلك. وفي الهند، على سبيل المثال، يقوم المجلس الوطني للإعلام العلمي والتكنولوجي، التابع لوزارة العلوم، برعاية مقررات دراسية للحصول على دبلوم وشهادة عليا في الإعلام العلمي والتكنولوجي. وقد بدأ تدريس هذه المقررات في عدد قليل من الجامعات.

ومع ذلك، فإن أرباب العمل لا يشترطون دائما شهادة جامعية أو دبلوما في الصحافة العلمية. وتجدهم يبحثون غالبا عن الحماس للكتابة عن العلوم، والقدرة على كتابة المقالات العلمية بطريقة يمكن لعموم الجمهور فهمها. ومن المفيد أيضا أن يكون المتقدم لشغل وظيفة في مجال الكتابة العلمية قد قام بكتابة مقالات عن العلوم خلال دراسته الجامعية. وفي هذه الحالة، فإن أرباب العمل يودون الاطلاع على ما كتبتَه. وبالتالي، قد يساعدك الاحتفاظ بملف يحتوي على إنجازاتك وأعمالك المنشورة -مهما كانت المجلة أو المقالة صغيرة أو "محلية"، حتى لو كانت صحيفة طلابية- في الحصول على وظيفتك الأولى.

تنتهج المؤسسات المختلفة طرقا مختلفة للتعيين. وعلى سبيل المثال، فإن إحدى وكالات الأنباء الهندية الرائدة، وهي وكالة برس تراست الهندية (PTI)، تقوم سنويا بتعيين صحفيين علميين تحت التدريب. ويتم تعيين المتدربين بعد خضوعهم لاختبار تحريري لتقييم مهاراتهم في الكتابة، وكذلك اجتياز مقابلة شخصية. تبدو هذه الطريقة ناجحة؛ فطوال خمسة عشر عاما، لم يترك صحفي واحد ممن عينتهم الوكالة PTI مجال الصحافة العلمية. وبعد اكتساب الخبرة في الوكالة، أصبح العديد منهم مراسلين علميين متفرغين في الصحف الوطنية، والقنوات التلفزيونية، وفي عدد من الهيئات الدولية البارزة في مجال الخدمات العلمية والبيئية، مثل معهد بانوس.

 

 بناء قاعدتك المعرفية الخاصة

في السابق، كان بوسع الصحفي المتمرس أن يغطي أي موضوع يُطلب منه. بيد أن هذا لم يعد صحيحا دائما في عالم اليوم، حيث تظهر يوميا اكتشافات علمية تحتاج في كثير من الأحيان إلى بعض الفهم على الأقل من أجل شرحها على نحو فعّال. وفي الواقع أن بعض الحقول العلمية تتوسّع بسرعة تجعل من الصعب مواكبتها حتى على الخبراء المتخصصين في تلك المجالات.

كيف يؤثر هذا عليك وأنت صحفي علمي محتمل؟ من المحبّذ للغاية تسليح نفسك بدرجة جامعية في العلوم، بشرط عدم كون مجالها ضيّقا للغاية؛ فهي تزودك بأساس يمكنك أن تبني عليه معارفك العلمية. وللحصول على سَبْق صحفي علمي، ستحتاج إلى امتلاك معرفة عامة بمعظم الحقول العلمية. بيد أن العلوم ليست حقلا ثابتا، إذ تظهر معارف جديدة كل يوم. وبالتالي، يجب على الصحفي العلمي الجيد أن يكون مستعدا لتحديث معلوماته باستمرار.

من المؤكد أنك لن تستطيع اكتشاف سبق صحفي علمي بنفسك مالم تقم بتحديث معلوماتك باستمرار حول ما يدور في الأوساط العلمية بشكل عام. وفي أي يوم بعينه، قد يُطلب من الكاتب العلمي تغطية عملية إطلاق مركبة فضائية في الفجر، أو وباء مرضي مشتبَه به في المدينة خلال النهار، أو إجراء مقابلة مع عالِم زائر حاصل على جائزة نوبل في الفيزياء في المساء.

لا يعني هذا أنك تحتاج لأن تكون متخصصا، لكن التخصص له مزاياه أيضا. وعلى سبيل المثال، فهو يمكّنك من الوصول بسهولة إلى أوساط العلماء؛ فكثيرا ما يشعر العلماء بالتردد في الحديث في موضوعات "ليست للنشر" إلى صحفي "غريب" لا يشعرون بالارتياح معه. وقد يخشون أن يؤخذ أي شيء يقولونه على أنه الموقف الرسمي للشركة أو المؤسسة الحكومية التي يعملون بها. ونتيجة لذلك، فكثيرا ما يتم الحصول على الأخبار من مصادر مثل هذه على المستوى الشخصي، وليس بصورة رسمية.

ومن نتائج ذلك أنك إذا تخصصت في مجال علمي بعينه، قد تكون فرصتك للتواصل بصورة شخصية مع أحد العلماء في هذا المجال أفضل من صحفي عام قد لا يستطيع مناقشته بنفس المستوى من الفهم الأساسي للطريقة التي يعمل بها العلم وطريقة تفكير العلماء. عادة ما يتم بناء هذه المعارف العلمية على أساس من الثقة الشخصية على مدى سنوات عديدة، وكثيرا ما تنطوي على صداقات تستمر مدى الحياة. ويمثل هذا واحدًا من الجوانب المهمة للصحافة العلمية الناجحة. وكلما أسرعت في بناء قاعدة معارفك، كان ذلك أفضل بالنسبة لك.

 الحصول على قصة جيدة

 يتم الحصول على بعض أفضل القصص الحصرية من خلال مزيج من العقل اليَقِظ، والاستعداد لإجراء البحوث الاستقصائية، وامتلاك أحدث المعلومات حول آخر التطورات الجارية في مجالات العلوم والتكنولوجيا.

يجب على الصحفي العلمي الجيد معرفة كيفية الحصول على الأخبار، ومصادرها. في الدول الغربية، عادة ما يتلقى الصحفيون العلميون عددا كبيرا من البيانات الإخبارية، والتقارير، والمواد الأساسية من المختبرات البحثية، والجامعات والمنظمات الخاصة. وعادة ما يكون لدى هذه المؤسسات مسؤولون صحفيون يتوقون إلى مساعدة الصحفي الذي يتحمل عناء الاتصال بهم. وكذلك تُوجَّه الدعوة إلى الصحفيين لحضور اللقاءات والمؤتمرات العلمية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن شبكة الإنترنت تجعل الحياة أكثر سهولة؛ إذ يتم إرسال الأخبار مباشرة إلى بريدك الإلكتروني، كما أن هناك العديد من محركات البحث وغيرها من المصادر المتاحة.

وفي البلدان النامية، يختلف الحال عن ذلك في العديد من الجوانب؛ ففي كثير من الأحيان، لا تتوافر هذه المصادر للصحفيين العاملين في هذه البلدان بسهولة. وبالتالي، فمن الواضح أن ذلك يجعل مهمة جمع الأخبار أكثر صعوبة. وبالإضافة إلى ذلك، ربما لم تؤدّ تقنيات الاتصالات الحديثة إلى أي اختلاف في الطريقة التي تُنشر بها الأخبار- بما في ذلك الأخبار العلمية، وهو فَرق يؤثر بصورة مباشرة على الصحفي العلمي.

أولا: هناك عدد قليل للغاية من المنافذ المنظّمة للأخبار العلمية، وبالتالي فمن غير المرجح أن يتلقّى الصحفي العلمي قصصا علمية جاهزة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن التلميحات المتعلقة بالأخبار العلمية قيد التطوير لا تتوافر بسهولة، والأمر الذي يعود جزئيا إلى عدم وجود مسؤولين صحفيين. وفي معظم البلدان النامية، لا يوجد سوى عدد قليل من الشركات التي لديها وحدات للعلاقات الإعلامية. وبدلا من نشر البيانات الصحفية عن الأبحاث العلمية الجادة الجارية في مؤسساتها، هناك ميل للتركيز على الخطابات والأحاديث الافتتاحية للوزراء، والمسؤولين التنفيذيين في الشركات، ومديري الإدارات العلمية.

ثانيا: تُجرى نسبة كبيرة من البحوث في البلدان النامية في المختبرات الحكومية التي تَحكُم علماءها قواعد سلوكية تمنعهم من التحدث إلى الصحفيين دون إذن من "رؤسائهم". وعادة ما تكون الأخبار الموزّعة عن طريق هذه الوكالات هو ما تريد الحكومة أن يعرفه الناس.

على سبيل المثال، إذا أصدرت إدارة الفضاء في إحدى البلدان بيانا صحفيا عن عملية ناجحة لإطلاق صاروخ، ستكون المعلومات متاحة بسهولة. ولكن إذا كانت لديك أسئلة تود طرحها حول عملية إطلاق فاشلة، فسيكون الحصول على إجابات أمرا أكثر صعوبة.

ومن شأن هاتين العقبتين عرقلة نمو تغطية صحية وحيوية للعلوم من قبل وسائل الإعلام بشكل عام. لكن الصحفيين العلميين الأفراد الذين يمتلكون زمام المبادرة وحاسة تصيّد الأخبار يمكنهم تحويل هذه العيوب بحيث تعمل لمصلحتهم.

وعلى سبيل المثال، فإن عدم وجود وكالات أنباء رسمية للعلوم، وعدم توافر عدد كاف من المسؤولين الصحفيين، يعني أن هناك الكثير من الأخبار العلمية التي لا تحتاج إلا إلى أن يتم التقاطها وتحويلها إلى مقالات حصرية من قبل الصحفيين الذين يجدونها أولا.

ذات مرة، تعثّرت في بيان من سطرين في تقرير لإحدى المؤسسات، ذُكر فيه أن باحثي المؤسسة يعملون على "مقاربة مناعية لمنع الحمل". وكشف مزيد من الاستقصاء أنهم كانوا يستخدمون هرمونا مستخرجا من المشيمة لمنع إناث الفئران من الحمل- وهو ما يعني أن لقاحا محتملا لمنع الحمل كان قيد التطوير. ولو كان هناك مسؤول صحفي في ذلك المعهد، ربما لم يكن ليجيب على أسئلتي، وكنت فقدت هذه القصة الحصرية.

أين يمكنك البحث عن وظائف؟

 حتى في عصر الإنترنت الذي نعيشه، فإن الصحف لا تزال أفضل مكان للبحث عن عمل. تحتوي كل الصحف اليومية الرئيسية تقريبا على ملاحق علمية، والتي تحتاج إلى كتّاب متفرغين لتحريرها. وتمثل الصحف الإقليمية أيضا سوقا محتملة لعمل الصحفيين العلميين. وعادة ما يتم تعيين الوافدين الجدد محررين مساعدين أو صحفيين مبتدئين، وليس كتّابًا للمقالات الرئيسية.

ويمثل التلفاز مكانا آخر للبحث عن الوظائف؛ فقد أدى انتشار القنوات الفضائية وقنوات الكيبل إلى إنشاء العديد من شركات الإنتاج التلفزيوني المستقلة. وعلى الرغم من أن عددا قليلا من هذه الشركات متخصص كليا في البرامج العلمية، فإن معظمها يُنتج أحيانا برنامج علمية، والموجهة عادة إلى الجمهور العادي غير المتخصص. وبوجه عام، تقوم هذه الشركات بتعيين صحفيين يقومون أيضا بمهام إضافية بوصفهم كتّابًا، وباحثين، ومنتجين.

وتمثل الصحافة الإذاعية طريقا ثالثا يستحق أن تقوم باستكشافه، برغم تضاؤل أهميته بفعل انتشار المحطات التلفزيونية والقنوات الفضائية. وتتضمن المجالات الأخرى: التحرير الفني في المجالات العلمية، وكذلك في حقول متخصصة مثل تكنولوجيا المعلومات والتقنية الحيوية.

 العمل لحسابك الخاص

وبعد ذلك، هناك العمل بالقطعة. يقوم معظم الصحفيين ببعض العمل لحسابهم الخاص خارج إطار وظائفهم الثابتة، بإذن من أرباب عملهم. وهناك عدد كبير من الكتاب العلميين في الهند يعملون لحسابهم الخاص ويكسبون رزقهم عن طريق إرسال مقالاتهم للنشر بالقطعة في المطبوعات المحلية أو الأجنبية، برغم أنك لا تستطيع عادة أن تكسب رزقا معقولا بهذه الطريقة إلا إذا كنت أمضيت بالفعل سنوات عديدة في اكتساب الخبرة في وظيفة بدوام كامل، ومن ثم بناء شهرتك.

إن معظم المطبوعات التقنية، فضلا عن الأقسام العلمية في بعض الصحف الوطنية، تقبل قدرا معينا من المواد الصحفية من الكتّاب غير المتفرغين. وبمجرد قبول أحد مقالاتك، قد يطلبون منك المزيد. ولكن، كما قال كاتب علمي محنك يعمل بالقطعة، "من الصعب للغاية أن تُقنع المحررين بقبول المقالات العلمية الجيدة من الكتّاب غير المتفرغين".

وفي الهند، نجد معظم أعضاء الرابطة الهندية للكتاب العلميين (ISWA) يعملون لحسابهم الخاص. وفي الواقع أن بعض الكتاب العلميين غير المتفرغين الناجحين في الهند هم علماء متمرسون تحوّلوا إلى كتّاب منتظمين في الصحف، أو المجلات، أو وحدات البث العلمي الوطنية. ولذلك إذا كنت عالما ممارسا يمتلك ميلا للكتابة، فأفضل شيء هو أن تحصل على دورة مكثفة في الصحافة والشروع في الكتابة، ومن ثم التمتع بأفضل مزايا العالمين كليهما!

إعادة نشر المقال:
نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.