نقرن العلم بالتنمية عبر الأخبار والتحليلات

كيف تُبلغ صنّاع القرار بالشكوك العلمية؟
  • كيف تُبلغ صنّاع القرار بالشكوك العلمية؟

حقوق الصورة: Flickr/ IITA Image Library

Shares

بوصفك عالـمًا، أنت تعلم أن عدم اليقين متأصل في العلوم؛ فلا يمكن الإجابة على جميع الأسئلة بنسبة 100% من اليقين، وحتى النظريات المقبولة على نطاق واسع يمكن الطعن في صحتها عند ظهور أدلة جديدة.

لكن غير العلماء -وهذا يشمل معظم صنّاع القرار- يكونون أقل إدراكا لتلك الحقيقة. وبدلا من ذلك، يتوجّه صنّاع القرار إلى العلماء للحصول على إجابات حاسمة تساعدهم على اتخاذ القرارات. فكيف -إذن-  يمكنك تزويد صناّع القرار بالمعلومات التي يحتاجونها، مع  توعيتهم أيضا بأوجه عدم اليقين المتأصلة في العلم؟

مصادر عدم اليقين

إن النظم الطبيعية متغيرة بطبيعتها، وسواء في النظم المناخية أو الاستجابات البشرية للأدوية الجديدة، فإن التباين قد يجعل التنبؤات غير مؤكدة. كما يأتي قياس الأشياء مع قدر من عدم اليقين؛ فليس هناك قياس دقيق بنسبة 100 في المئة- فالأدوات التي نستخدمها، والأشخاص القائمون بالقياس، وعوامل أخرى كثيرة، كلها تحمل في طياتها معلومات غير دقيقة، وبالتالي عدم اليقين. ويتعلق بذلك أيضا الأخطاء الإحصائية (وتصميم التجارب العلمية). وعلى سبيل المثال، فإن عدم اليقين في التجارب السريرية يرتبط بحجم التجربة؛ فكلما انخفض عدد الأشخاص المشاركين فيها، انخفضت القوة الإحصائية للدراسة في ما يتعلق بإعطاء نتيجة موثوق بها.

ومن الأهمية بمكان أن نعرف أن عدم اليقين ينبع أيضا من المعارف غير الكاملة -وخصوصًا في الأنظمة المعقدة- وعلى سبيل المثال، فنحن نجهل الكثير عن السحب. وبالنظر إلى أهميتها في تحديد مقدار الطاقة الشمسية التي تصل إلى سطح الأرض، فإن معرفتنا غير المكتملة تُلقي بظلال من الشك على التكهنات المتعلقة بتغيّر المناخ.

ويمكن تقليل حدة بعض أوجه عدم اليقين عن طريق جمع قدر أكبر أو أفضل من البيانات. لكن عدم اليقين في ما يتعلق بالنظم الطبيعية المعقدة، مثل طقس الأرض، يعني أننا لا نستطيع الوصول إلى اليقين عن طريق أي قدر عملي من البحوث؛ فلن نعرف مطلقا على وجه الدقة كيف ستكون حالة الطقس بعد ثلاثة أسابيع من الآن.

عدم اليقين يولّد الحيرة

إن عدم اليقين هو ما يدفع العلم إلى الأمام، ويجعل العلماء يظلون في بحث مستمر عن إجابات. وفي هذا السياق، فإن عالم الفيزياء ريتشارد فاينمان، الذي عاش في القرن العشرين، قال ذات مرة: "إنه أكثر تشويقًا أن تعيش وأنت لا تعلم، من أن تكون لديك إجابات قد تكون خاطئة". ولكن بالنسبة لصنّاع السياسات، فإن عدم اليقين يمثل إشكالية، وخصوصًا في ما يتعلق بالخيارات المثيرة للجدل حول البيئة أو الصحة العامة. يرغب صنّاع السياسات في الحصول على إجابات محددة، وهو أمر مستحيل في العلم. ولذلك، ففي حين يدفع عدم اليقين العلماء إلى العمل، من الممكن أن يسبب حيرة صنّاع السياسات وتعطيل قدرتهم على اتخاذ القرار. ولذلك نجدهم كثيرا ما يؤخرون تحركهم على أمل التخلص من حالة عدم اليقين.

وفي بعض الأحيان، يستخدم صنّاع القرار عدم اليقين ذريعةً لعدم اتخاذ قرارات غير شعبية أو مكلفة. ولعل أهم شيء يجب توصيله إلى صنّاع السياسات هو أن عدم اليقين لا يعني وجود عيب في العلوم. وعلى سبيل المثال، فإن الغالبية العظمى من العلماء على يقين من أن تغير المناخ يحدث بالفعل، حتى لو كانوا غير متأكدين حتى الآن من التأثيرات الدقيقة لذلك. ثمة طريق أبسط طريقة لتفسير هذا الأمر: "نحن لا نعرف كل شيء، لكنْ نعرف ما يكفي لأن نشرع في العمل".

ما قدر الكفاية  من التأكيد ؟

إن "ما فيه الكفاية" هو جوهر المسألة، وبالتالي فإن القدرة على توصيل مستوى عدم اليقين المتضمّن في المعلومات المقدمة إلى صنّاع القرار يعد أمرًا بالغ الأهمية. عليك أن تجعل جوانب عدم اليقين سهلة الفهم، وهو أمر أكثر فائدة من مجرد القول: "نحن لا ندري". وفي بعض الأحيان، تكون لدينا فكرة واضحة إلى حد معقول حول ما قد يحدث إذا اتُّخذ قرار، ومدى احتمال وقوع هذه النتيجة. وفي مثل هذه الحالات، عليك استخدام عبارات الاحتمال التي تدعم استنتاجاتك. ابدأ بعرض النتائج الأقرب احتمالا للوقوع، مع عدد قليل من الاحتمالات الأخرى. وعلى سبيل المثال، يمكنك القول بأنه، بناء على البيانات المتاحة، فهناك فرصة بنسبة "س" في المئة  لحدوث النتيجة "أ" خلال القرن المقبل، فرصة بنسبة "ص" في المئة لوقوع النتيجة "ب".

قامت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) بتطوير "مقياس للأرجحية" من شأنه أن يساعد في ربط الاحتمالات باللغة المستخدمة في التعاملات اليومية. فعندما يقولون إنه: "من المرجح للغاية أن البشر قد مارسوا تأثيرا مسببا لاحترار كبير  في المناخ"، فهم يقصدون القول بأن هناك "احتمالا يزيد على 95 في المئة" بأن هذا هو الحال بالفعل. وعلى أية حال، فهناك أدلة على أنه حتى لو كان الناس يفهمون مقياس الأرجحية هذا، فلا يزال كل منهم يفسر العبارات النوعية بطريقته الخاصة. ولذلك يُنصح بعرض النسب المئوية الفعلية أيضا.

عليك أن تشرح، وببساطة بقدر الإمكان، مواضع نشوء أوجه عدم اليقين الرئيسية في الأدلة التي تقوم بطرحها. ما هي أوجه القصور الموجودة في أي نموذج قمت باستخدامه؟ هل اعتمدت على عدد صغير فقط من الدراسات؟ هل يمكن لمزيد من البحوث تقليل بعض الشكوك؟  عليك أن تتسم بالشفافية في ما يتعلق بالافتراضات المطروحة كلَّ حالة، وبنوعية البراهين.

قد يفيد صنع القرار أن تعرض مجموعة من النتائج التي تأخذ أيضا بعين الاعتبار عددا من الأفعال المختلفة. وعلى سبيل المثال، يمكن للعلماء المعنيين بتغيّر المناخ عرض النتائج المحتملة لتقليل غازات الدفيئة بشدة، وإنقاصها قليلا، وعدم خفضها على الإطلاق.

ويلاحظ أنه ليس بالإمكان قياس كل أوجه عدم اليقين كمِّيًّا، وخاصة عندما نقوم بطرح تكهنات حول المستقبل، والتي تعتمد على كثير من العوامل المجهولة. لكن عدم اليقين هذا يجب أن يتم الإقرار به على الرغم من ذلك، ومن ثم إدماجه في الخطط.

قد يرغب المسؤولون الذين يقومون بوضع الخطط اللازمة للتصدي للجائحات المستقبلية في الاستعداد للسيناريو الأقرب احتمالا من وجهة نظر العلماء -مثل احتمال وقوع جائحة فيروسية في المستقبل المنظور- مع الأخذ بعين الاعتبار في الوقت نفسه حقيقة أن الفيروس المعني لا يمكن التنبؤ بسلوكه على وجه الدقة. وعلى سبيل المثال، أظهرت جائحة إنفلونزا الخنازير أن خطط الطوارئ لا ينبغي أن تستند فقط على معرفتنا بإنفلونزا الطيور.

التأثيرات الخارجية

يمثل العلم واحدًا فقط من عوامل كثيرة يأخذها صنّاع القرار في الاعتبار عند اتخاذ القرارات، على سبيل المثال، هم يقومون أيضا بتقييم تكلفة الأنشطة المقترحة، وردة فعل الجمهور. في أوائل سبعينيات القرن العشرين، بدأ العلماء يشعرون بالقلق إزاء العواقب المترتبة على ظاهرة الاحترار العالمي الناتجة عن الأنشطة البشرية؛ لكن أول اتفاقية دولية لمكافحة هذه الظاهرة لم تدخل حيز التنفيذ حتى عام 1997. لقد تأخر القرار السياسي بسبب عدم اليقين العلمي، ولو جزئيا.

وبالإضافة إلى ذلك، قد تتباين القرارات باختلاف الأشخاص والأماكن، كما أن صنّاع القرار الذين تواجههم مستويات مماثلة من عدم اليقين قد يتخذون قرارات شديدة التباين. وعلى سبيل المثال، هناك شكوك حول مدى مأمونية المحاصيل المعدلة وراثيا على صحة البشر والبيئة، ولذلك لم يوافق الاتحاد الأوروبي سوى على عدد قليل من المحاصيل المحوّرة وراثيا، الأمر الذي يرجع جزئيا إلى اختلاف مواقف الدول الأعضاء فيه حول مأمونية تكنولوجيا التحوير الوراثي. ولكن في حالات أخرى استخدم صنَّاع السياسات نهجا مختلفا؛ فعلى الرغم من أن الشكوك ما زالت قائمة بشأن تأثيراته الطويلة الأجل، فإن القطن المحوّر وراثيا يمثل 40 في المئة من القطن المزروع في جميع أنحاء العالم.

الوضوح حول أوجه عدم التيقن

لا يملك العلماء سوى قليل من التحكم في كيفية استخدام صنّاع السياسات للنتائج التي توصلوا إليها، ومع ذلك فعليهم أن يبينوا بكل وضوح وصراحة أية شكوك تكتنف المعلومات التي يعرضونها؛ فذلك يساعد على ضمان عدم الاستهانة بأوجه "عدم اليقين" المعنية، أو المبالغة في الخوف منها، أو تجاهلها لتحقيق مكاسب سياسية. ومن المهم أن تتسم بالصدق والشفافية في ما يتعلق بمصادر الأدلة التي استندت إليها. ومهما كان حماسك بخصوص قضية ما، لا تركّز على السيناريوهات المتطرفة فقط. عليك أن تحاول عرض المجموعة الكاملة من النتائج المحتملة. وكذلك عليك أن تكون محايدا وموضوعيا بقدر الإمكان، وأن تدع الحقائق تتحدث عن نفسها. لا تقم برسم صورة مفرطة في التشاؤم أو التفاؤل إذا كانت البيانات لا تعضد هذا الأمر أو ذاك. لا تركّز كثيرا على ما تجهله على حساب ما تعرفه، حاول إيجاد توازن مفيد بين الاثنين.

يجب الحرص على عدم الإدلاء ببيانات مفرطة في الغموض أثناء قيامك بترجمة المعلومات العلمية إلى لغة يفهمها صنّاع القرار. تجنب استخدام عبارات مثل "زيادة كبيرة" أو "نقص طفيف" دون قياس كمي لها: كبيرة إلى أي حد؟ وطفيف إلى أية درجة؟ ومع ذلك، قد يكون هناك مجال للآراء الشخصية، شريطة أن تكون متجذرة في خبراتك وتجاربك العملية. وفي بعض الأحيان، إذا لم يكن ممكنا قياس عدم اليقين كمّيا بشكل موثوق، يمكنك توليف الآراء الشخصية لمجموعة من الخبراء. ويعرف هذا باسم "استنباط الخبراء"، وغالبا ما يُستخدم عند إجراء التكهنات المتعلقة بتغيّر المناخ.

نحن لا نعلم حتى الآن درجة الحرارة اللازمة للوصول إلى "نقطة تحوّل" في مناخ الأرض؛ ولذلك فمن بين الطرق التي يمكن استخدامها لتسليط الضوء على هذا: أن نسأل الخبراء عما يرونه بخصوص هذه "العتبة"، استنادا إلى معرفتهم بالبيانات المتوافرة حالياً. ولكن عندما تُخبر صنّاع القرار بأوجه عدم اليقين تلك، عليك أن تذكر ما إذا كانت مبنية على آراء أم على براهين علمية.

توصيل رسالتك على النحو الصحيح

إن التأكد من عرض جميع أوجه عدم اليقين في كافة اتصالاتك مع صنّاع السياسات يعني أنهم، بمرور الوقت، سيصبحون أكثر دراية بالمفهوم، وأكثر ثقة في ما يتعلق باتخاذ القرارات على الرغم من وجود عدم اليقين. لمزيد من النصائح العامة بهذا الخصوص، انظر دليل الموقع  SciDev.Net حول إعداد البيانات الصحفية لصنّاع السياسات.

ولذلك، عند صياغة الرسائل الموجهة لصنّاع القرار، تأكد من أن تذكر دائما شيئا عن المجاهيل، مهما كان مُغريا حذفها لجعل رسائلك أكثر إثارة للاهتمام. حاول مشاركة ما تعلمته عن تبليغ أوجه عدم اليقين مع زملائك، بحيث لا يحتاج العلماء الآخرين إلى "إعادة اختراع العجلة". وفكّر في إلقاء محاضرة جماعية في الإدارة التي تعمل بها أو إعداد بعض التوجيهات المكتوبة. اعرض القيام بدور الموجّه لزملائك واطلب منهم عمل الشيء نفسه. وأخيرا، واصل البحث عن فرص لإعداد تقارير أخرى لواضعي السياسات. ففي نهاية المطاف، كثرة التكرار تفيد وتُعلّم. 

 

إعادة نشر المقال:
نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.