نقرن العلم بالتنمية عبر الأخبار والتحليلات

يمكن للمواد العلمية المترجمة جيدا أن تساعد الأطباء على التواصل مع مرضاهم
  • الترجمات العربية للعلوم بحاجة إلى دفعة نوعية

يمكن للمواد العلمية المترجمة جيدا أن تساعد الأطباء على التواصل مع مرضاهم
حقوق الصورة: Flickr/ delayed_gratification

Shares
كانت اللغة العربية هي لغة العلم إبان العصر الذهبي للحضارة الإسلامية (من منتصف القرن الثامن الميلادي إلى نحو عام 1258 للميلاد)، عندما كانت النصوص العلمية والطبية تُكتب باللغة العربية أو تُترجم إليها. ومع ذلك، في العصر الحديث، صارت العلوم العربية تعتمد اعتمادا كبيرا على ترجمة المقالات العلمية من اللغات الأجنبية، الإنجليزية والفرنسية غالبا.
 
لكن الترجمات كثيرا ما تفتقر إلى التنسيق أو التقييس فيما يتعلق بالمصطلحات المستخدمة، أو حتى بكيفية نطق الكلمات، وليس ثَمة مصادر متفق عليها للمصطلحات، أو أدلة للترجمة يمكن استخدامها في تنظيم هذه العملية.
 
لا أدلة إرشادية واضحة

في أثناء حركة الترجمة العلمية الأولى، التي بدأت في أربعينيات القرن العشرين، كانت الترجمات توضع من قِبل مترجمين متخصصين أو صحفيين ذوي إلمام باللغات الأجنبية
جاءت الحركة الثانية في أواخر السبعينيات، عندما بدأ نشر المجلات العلمية -وأكثرها طبي- في الدول العربية، كان معظم محتوياتها باللغة الإنجليزية، مع إضافة 'ملخصات باللغة العربية' إلى محتواها.
 
في إحدى هذه المجلات، استند نشر الملخصات العربية على الميول الشخصية لأحد رؤساء التحرير، ولذا تم التخلي عنها بعد فترة وجيزة من تعيين رئيس تحرير جديد. ومثّل عدم وجود سياسة مؤسسية واضحة عائقا أمام استمرار هذه الممارسة. بيد أن معظم هذه المجلات لم يكن ينشر أدلة إرشادية واضحة بشأن كيفية ترجمة الملخصات، أو بخصوص مصادر المصطلحات العلمية العربية المعتمدة.
 
بدأت حركة الترجمة العلمية الثالثة عام 1986، مع نشر طبعة عربية بترخيص كامل من مجلة ساينتيفيك أمريكان، وهي مجلة العلوم الصادرة عن مؤسسة الكويت للتقدم العلمي. واتسمت هذه الموجة الجديدة من الترجمات العربية بترجمة المقالات العلمية من مصدر واحد، بدلا من تجميع مقالات من مصادر عدة.
 
وطوال أكثر من عشرين عاما، كانت مجلة ساينتيفيك أمريكان هي المجلة العلمية الوحيدة التي تتم ترجمتها بالكامل إلى اللغة العربية. وفي الوقت الحالي، هناك عدد قليل من المجلات الأخرى التي بدأت تنشر طبعات عربية، بما في ذلك ناشيونال جيوغرافيك، وساينس (ملخصات فقط)، وأحدثها نيتشر.
 
وهناك إمكانية كبيرة لترجمة المزيد من المطبوعات العلمية إلى اللغة العربية. ولكن إذا لم تتم ترجمتها وفقا لرؤية تنطوي على تبسيط المصطلحات العلمية المعقدة، والحفاظ على سياق جذاب للقراء، فإن النص قد يبدو جيدًا، ولكنه في الواقع ينقل بيانات خطأ ومضللة، مما يولّد نفورًا لدى القراء من قراءة العلوم باللغة العربية.

مهمة للمتخصصين
 

تمثل الكيفية التي يجري بها اختيار فرق التحرير أحد العوامل الرئيسية التي تسهم في نجاح هذه الجهود. إن ترجمة العلوم ليست وظيفة "للعموميين"، أي المترجمين الذين لا يمتلكون خلفية علمية، أو الكتّاب الذين يفتقرون إلى قدرات مُثبتة على الترجمة من وإلى كل من لغة المصدر والهدف- حتى لو كانت لديهم خلفية علمية.

منذ شهور قليلة، كنت أقوم بالإشراف على ترجمة عدد تجريبي لإحدى المجلات العلمية إلى اللغة العربية، فقمت بتوزيع أكثر من 30 مقالة على مترجمين من ذوي الخبرة
في ترجمة العلوم. وكانت النتائج مُزعجة للغاية؛ فأكثر من 90% من المقالات التي تسلمتها كانت بحاجة إلى إعادة ترجمة، سواء بصورة كلية أو جزئية. وعلى سبيل المثال: عند مراجعة مقالة عن الفيزياء، تحدّث المؤلفون عن جهاز "صغير بما يكفي لحمله في الجزء الخلفي من شاحنة"، في حين أشارت الترجمة إلى جهاز "يشبه في شكله الجزء الخلفي من شاحنة".
 
وبدلا من اكتشاف مثل هذه النتائج بعد النشر، ينبغي تطبيق مبدأ معروف في إدارة المشروعات، والذي يطلق عليه اختصارا DIRFT ويعني: أنجز عملك على النحو الصحيح من أول مرة. ويتضمن هذا الالتزام بمبادئ الترجمة ذات الجودة العالية، التي تشمل –فيما تشمل- الاستخدام الدقيق للمصطلحات، والاستعانة بالمترجمين والمحررين المؤهلين وحدهم، واعتماد معيار للأداء يهدف إلى عدم وجود أخطاء مطلقًا، وتطبيق العديد من خطوات المراجعة والتدقيق ضمن عملية التحرير قبل النشر النهائي للمادة العلمية.
 
استشراف المستقبل
 
من أجل ضمان نجاح مشروعات الترجمة الكبرى، يجب أن يتضافر عدد من العوامل بحيث تعمل معا جنبا إلى جنب. أولا: لا بد من الاعتراف بالترجمة العلمية بحسبانها مهنة
منظمة في جميع البلدان العربية. ومن سبل تحقيق ذلك: إنشاء جمعية أو رابطة للمترجمين العلميين، تتبع هيئة تعليمية، تقدم دورات متخصصة في ترجمة العلوم.
 
ثانيًا: بعد الانتهاء بنجاح من حضور دورة تأسيسية، يجب على المترجمين العلميين المبتدئين الخضوع لامتحان 'قبول' كي يصبحوا أعضاء منتسبين إلى الجمعية، ولا يمكن لأيهم الحصول على الاعتماد الكامل قبل بناء محفظة من الأعمال المنشورة، يتم إنجازها تحت إشراف مترجم خبير ومعتمد.
 
وإذا اعترفت دور النشر والمنظمات البحثية بهذه الشهادة الجديدة، فسيخلق هذا سوقا للمترجمين المعتمدين، الأمر الذي ينعكس -في نهاية المطاف- على جودة المحتوى العلمي المترجم. والأفضل أن تنشئ الحكومات أو المؤسسات البحثية، أو كلاهما، هذه المنظومة في البلدان العربية، بمساعدة تقنية من المنظمات الدولية، مثل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).

احتمالات النجاح

وأخيرا، ينبغي إجراء استقصاء لمسح المنشورات العلمية المحتمل ترجمتها إلى اللغة العربية، بناء على احتياجات الجمهور المستهدف، مع إعطاء الأولوية لتلك التي يطلبها القراء الأصغر سنا. ويتمثل الهدف النهائي هنا في توسيع الآفاق العلمية للشباب العربي.
 
وإذا تم ذا على النحو الصحيح، ستعمل ترجمات المجلات والمنشورات العلمية الأخرى إلى اللغة العربية على زيادة وعي الجمهور بأهمية العلوم، وكذلك إطلاع الجمهور على أحدث الاكتشافات العلمية. والأهم أنه يسمح للعلماء والباحثين العرب بفهم العلوم باللغة العربية. وفي هذا السياق، نشير إلى أن تدريس العلوم باللغة الإنجليزية أو الفرنسية قد يكون أحد العوامل المساهمة في ندرة البحوث والدراسات المهمة الصادرة عن الدول العربية.
 
قد يكون لدى العديد من العلماء تجربة سيئة، تتمثل في قراءة مواد علمية تُرجمت إلى اللغة العربية على نحو ركيك. وعلى سبيل المثال، في إحدى المرات كنت أراجع ترجمة مقالة طبية يصف مؤلفها مرضا يصيب العظام على هيئة 'القدم الشبيهة بقاعدة الكرسي الهزاز' rocker bottom feet، وهو ما يعني أنها مقعّرة، لكن المترجم ترجمها "قدم قاع الصخر"، وهي ترجمة مضلّلة ولا معنى لها على حد سواء.
 
إن التغلب على هذا الحاجز يمثل أمرا ضروريا لمساعدة العلماء على الإيمان مرة أخرى بأن بوسعهم إجراء بحوثهم العلمية باللغة العربية، دون انعزال عن الاتجاهات السائدة للمجتمع العلمي الدولي. وفي مهن مثل الطب، يمكن أن يساعد ذلك الأطباء على التواصل مع مرضاهم بشكل أكثر فعالية.

إعادة نشر المقال:
نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.