نقرن العلم بالتنمية عبر الأخبار والتحليلات

الغزاة
  • الغزاة

حقوق الصورة: Flickr/ FWC Fish and Wildlife Research Institute

نقاط للقراءة السريعة

  • الأنواع غير الأصلية تؤثر بالهيمنة سلبًا على الموائل والمناطق البيئية التي تغزوها

  • الكائنات الغازية في اتجاه البحر المتوسط أكثر من المتجهة إلى البحر الأحمر

  • لا بد من إدراك ما يمكن إدراكه؛ لتجنيب البحر المتوسط المزيد من الغزو

Shares
الأنواع الغازية هي نباتات وحيوانات، ومنها كائنات حية دقيقة، وصلت عن طريق الانسان من أماكن بعيدة، سواء بسبيل مباشرة أو غير مباشرة وانتشرت بصورة مفرطة وعشوائية في أماكن جديدة على نحو ألحق بالبيئة المحيطة أضرارًا أو تغيرات، مما قد يؤثر على صحة الإنسان.

وتُعد هجرة الأنواع الغازية وانتشارها ظاهرة عالمية؛ ففي كل يوم يكتشف الباحثون المتخصصون في التجمعات النباتية والحيوانية ‏بشتى دول العالم تزايُد أعداد الكائنات التي تقتحم بيئات هذه ‏الدول من حقول وغابات وبحيرات وبحار وأنهار، وتتكيف بسرعة مع بيئاتها الجديدة.

وتتصف الكائنات الغازية بقدرتها السريعة على النمو والتكيف مع جميع الظروف المحيطة من درجات حرارة وملوحة عالية إلى معدلات مرتفعة من أنواع التلوث المختلفة، كما تتميز أيضًا بالقدرة على تغيير طبيعة تغذيتها وفقًا لما هو متوفر في البيئة، وهي تتمتع بدرجة خصوبة عالية وتنوع واضح في مسالكها لإتمام عملية التكاثر، مما يساعدها على سرعة الانتشار والتأقلم في البيئة الجديدة.

وتحدث ظاهرة الغزو البحري للكائنات نتيجة لتدخل الإنسان في البيئة البحرية، ولعدة عوامل أهمها النقل البحري، سواء التجاري أو الترفيهي؛ إذ تعد مياه الصابورة -المستخدمة في اتزان السفن- هي الوسيلة الأساسية لنقل الكائنات من مكان إلى آخر.

فقبل التحرك، تقوم السفن بملء خزاناتها بكمية ضخمة من ماء البحر، قد تصل في بعض الحالات إلى 75 مليون لتر، ويتم تفريغ هذا الماء بما يحمله من أنواع مختلفة من كائنات عند الوصول أو قُبيله. ونتيجة لحركة الملاحة الحالية فإن هناك أكثر من 45 ألف سفينة بضائع تنقل ما يزيد على 10 مليارات طن من مياه الصابورة حول العالم يتم تفريغها كل عام. ويمكن أيضًا للكائنات الغازية أن تنتقل من مكان إلى آخر عن طريق التشبث بجسم السفينة من الخارج أو بأي قطعة نفايات من تلك التي تطفو على أسطح محيطات العالم.

وتُعَد تجارة أسماك الزينة والاستزراع المائي (خصوصًا لبعض الأنواع غير الواطنة لنفس البيئة) أحد المسببات الأخرى لهذه الظاهرة (تأتي في المرتبة الثالثة). كما أن التوسع في بناء المزارع السمكية والأنظمة المائية كالسدود البحرية أو النهرية قد ساعد إلى حد كبير في زيادة هذه المشكلة. وتؤدي أحوال الطبيعة مثل ظاهرة الاحتباس الحراري وارتفاع درجة الأرض أيضًا دورًا مهمًّا وملحوظًا في زيادة غزو الكائنات؛ إذ تدفع بها للهجرة إلى المناطق الدفيئة من العالم.

ضرر

‏وفي أغلب الأحيان يأتي تأقلم الكائنات الغازية ‏على حساب بيئاتها الجديدة؛ إذ تتسبب في العديد من الآثار السلبية مثل الانخفاض في التنوع الحيوي المحلي والإقليمي نتيجة التنافس بين الأنواع، واختفاء بعض المجموعات المحلية، وكذلك المساس بالتنوع الوراثي وخطر التغير في النظم البيئية من حيث تركيب الأجناس.

وتمثل هذه الكائنات الغازية تهديدًا مباشرًا لصحة الإنسان؛ إذ إن بعضًا منها يُعَد حاملًا للعديد من الأمراض شديدة الخطورة، كما أظهرت الدراسات الحديثة أن هذه الظاهرة تؤثر على صحة الإنسان النفسية؛ إذ إنها في بعض حالات الغزو الشديدة تقضي على التنوع الحيوي وتتسبب في تدمير البيئات الخضراء التي تؤدي دورًا مهمًّا في الإنتاجية الأولية، وكذلك جودة المياه، مما ينعكس على الماء الذي نشربه وتحليل النفايات التي نخلفها من ورائنا.

كما يمكن لهذه الكائنات أن تؤدي إلى إفساد بعض البيئات عن طريق نقل العدوى لها، وأيضًا إلى تلوث المياه في محطات التنقية. ومن ناحية أخرى فلهذه الظاهرة آثار إيجابية أيضًا؛ إذ يمكن أن تساعد على دخول أنواع ذات أهمية اقتصادية، وبالتالي يصبح لتزايد أعدادها وكثرتها تأثير واضح على المصيد التجاري لهذه المناطق، وبالتالي تؤثر إيجابًا في الاقتصاديات وخصوصًا للدول الفقيرة.

استيطان

ويُعَد البحر المتوسط من أكثر البحار التي تعاني ظاهرة توافد الأنواع الغازية؛ إذ يصل إليه كل عام عبر قناة السويس الكثير من الكائنات المهاجرة من موطنها الأصلي بالبحر الأحمر والمحيط الهندي. من حيث الاتجاه، فإن معظم أعداد وأنواع الكائنات الغازية ييمم إلى البحر المتوسط، في حين تقل أعداد الأنواع المهاجرة في الاتجاه المعاكس إلى البحر الأحمر.

تزايُد أعداد الكائنات الغازية للبحر المتوسط -والتي تقدر أنواعها بالمئات- صار أمرًا مقلقًا للغاية، وأثار قضايا عديدة تتعلق بصحة الإنسان، والتبعات الوارد حدوثها من جراء تأثر النظام البيئي على شواطئه. للرمز، ولمقتضى الكلام؛ نذكر منها النزر اليسير التالي.

فمن أوائل الكائنات التي هاجرت من البحر الأحمر واستوطنت قناة السويس قبل وصولها إلى البحر المتوسط، نوع من فصيلة القشريات المسلحة يسمى جمبري فرس النبي، واسمه العلمي إيروجوسكويلا ماسافنسس، وهو من الأنواع الصالحة للأكل، وله حضور واضح في المصيد التجاري العالمي.

واستطاع هذا النوع من الجمبري عبور قناة السويس والوصول إلى البحر المتوسط في مدة زمنية قدرها مئة وخمسون عامًا، ونجح في الانتشارعلى الساحل الشرقي للبحر المتوسط والتكاثر فيه بأعداد ضخمة.

وبوصوله إلى البحر المتوسط أصبح منافسًا قويًّا لنوع الجمبري المحلي سكويلا مانتيس؛ إذ تنافس النوعان على مصادر الغذاء وأماكن الاختباء والتزاوج، الأمر الذي أدى إلى اختفاء النوع المحلي من المصيد التجاري ونزوله إلى أعماق كبيرة لا تصل إليها شباك الجر التي تُستخدم في الصيد في البحر المتوسط.

ومن الأنواع الأخرى أيضًا سرطان البحر العنكبوتي من جنس هياستيناس هيلجندورفي، والمهاجر أيضًا من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، وهو من الأنواع غير الصالحة للأكل، وغير ذي أهمية اقتصادية.

استطاع هذا النوع استيطان قناة السويس بأعداد كبيرة تتزايد كل عام، ويتسبب هذا السرطان في خسائر كبيرة للصيادين؛ إذ يعلق بالشباك بواسطة أرجله الرفيعة والأشواك الدقيقة التي تغطي جسمه، الأمر الذي يجعل تخليصه من الشباك أمرًا شديد الصعوبة، مما يدفع الصيادين إلى قطع أجزاء كبيرة من الشباك حتى يتمكنوا من التخلص منه.

مقاومة

يتجه العالم بأسره الآن لمقاومة ظاهرة انتشار الكائنات الغازية عن طريق خلق آليات فعالة تمنع دخول هذه الأنواع من الأساس، وتشمل هذه الآليات الحواجز غير الفيزيائية، مثل ستائر الفقاعات الهوائية والنيتروجينية والأسوار الكهربية والإضاءة الثابتة القوية وحواجز الملوحة العالية واستخدام تقنية التشبع الزائد بثاني أكسيد الكربون، كما تتضمن أيضًا معالجة مياه الصابورة باستخدام الكلور أو غاز الأوزون.

وتختلف كفاءة كل آلية تبعًا للمكان الذي تستخدم فيه ولنوع الكائنات المراد منعها، وتُعَد الستائر الهوائية أقل التقنيات إضرارًا بالبيئة وأكثرها فاعلية، وتعتمد فكرتها على تثبيت مكبس يضخ الهواء في قاع البحر، بحيث تخرج الفقاعات عن طريق أنبوب متعدد الفوهات وتصل إلى السطح فتكون بمنزلة حاجز أو ستار يمنع انتشار الكائنات. وقد أثبتت هذه الستائر كفاءة كبيرة في منع مرور الكائنات الدقيقة (الهائمات) وبعض أنواع من سمك الشبوط في أكثر من مكان بالعالم.

والباحثون والناشطون، وكذلك الهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية المعنية بالبيئة، يقومون بعمل ندوات وورش عمل للمواطنين في المجتمع للتعريف بالأنماط المختلفة من الأنواع الغازية، وعمل قائمة لها وتصنيفها من حيث الخطورة، كما يطالبون صناع القرار بضرورة القيام بإصدار تشريع يُلزم دول العالم بفحص جميع وارداتها النباتية والحيوانية للحد من تلك الظاهرة، لما لها من آثار خطيرة على البيئة -وخصوصًا البيئة البحرية- وعلى صحة الإنسان.

إن جهود المكافحة الفعالة تتطلب نهجًا متعدد الأبعاد، يشمل اعتبارات سياسية واقتصادية واجتماعية، على أن يستهدف هذا وضع نظام تتبع ومراقبة يمنع حدوث حالات غزو جديدة، والتحرك السريع نحو وقف انتشار الكائن الغازي فور تسجيل دخوله.

 
** د. مجدي العلواني        أستاذ البيئة البحرية بقسم علوم البحار بجامعة قناة السويس, مصر
** د. وفاء سلام              أستاذة اللافقاريات البحرية بقسم علوم البحار بجامعة قناة السويس, مصر


هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع  SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.  


إعادة نشر المقال:
نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.