نقرن العلم بالتنمية عبر الأخبار والتحليلات

حق الأناسي في بيان المعدل الوراثي
  • حق الأناسي في بيان المعدل الوراثي

حقوق الصورة: Wikimedia Commons/ National Cancer Institute/ Linda Bartlett

نقاط للقراءة السريعة

  • معظم الدول العربية، بلا تشريعات تقيد دخول الأغذية المعدلة وراثيا، اللهم إلا السعودية

  • وثمة اعتقاد قوي بأن الأغذية المعدلة وراثيا تمثل تهديدا قويا للجنس البشري

  • وهناك طرق تقنية أخرى فعالة يمكنها حل مشكلة الجوع وسوء التغذية، بعيدا عن التعديل الوراثي

Shares
جرى –ويجري- تسويق الهندسة الوراثية بحسبانها منقذا للبشرية من الجوع والأمراض الفتاكة، ثم أُقحمت في حياة البشر إقحاما بدعوى أنها تفتح للإنقاذ آفاقا لا حدود لها؛ فتقنياتها كفيلة بإنتاج كميات وفيرة من الأغذية لإشباع مليارات الأفواه الجائعة، وتغني عن استخدام المبيدات وتقلل من استخدام الأسمدة، وتطيل أعمار المنتجات فيسهل تداولها ويجود تخزينها.

والآن صارت الأطعمة المحورة وراثيا موجودة دوما في معظم المحلات التجارية بشتى بقاع العالم، وفى بضع سنين قد لا تَجد طعاما طبيعيا لم تدركه بعض آثار تقنيات الهندسة الوراثية.

 
Debate
هذه التقنيات قد تضمر في ثناياها أخطارا ومضارَّ خفية، ربما لا تظهر إلا بعد سنوات مديدة. ولا ينفك المعارضون يشككون في فائدتها انطلاقا من مخاوف قد يستغرق إثباتها علميا أمدا طويلا؛ الأمر الذي جعل معارضيها في أوروبا يقرنونها بأسماء تعبر عن رفضهم لها مثل: طعام ’فرانكشتاين‘.

معارضة الرأي العام وجماعات المستهلكين في الدول المتقدمة للأغذية المعدلة وراثيا دفعت كبريات الدول المنتجة لها -مثل أمريكا وكندا وأستراليا- للاصطراع والمعارضين.

ما يعنينا، أنه عندما نشر المركز الدولي لسلامة الأغذية خريطة تشريعات دول العالم بشأن الأغذية المعدلة وراثيا في أبريل 2013، ظهرت معظم الدول العربية، بلا تشريعات تقيد دخول هذه الأغذية، اللهم إلا المملكة العربية السعودية، وبدرجة قليلة تونس والأردن. [1]

تصدرت السعودية دول المنطقة في إقرار تشريعات وآلية مراقبة لاستيراد الأغذية المعدلة وراثيا، بحيث تؤمن إطارا قانونيا ومستوى عاليا في سبيل حماية المستهلك.[1]

ورغم ندرة الدراسات العلمية الموثقة حول رأي المستهلكين بمنطقتنا بشأنها، فإن دراسة لاتحاد مجالس البحث العلمي العربية جرت في نهاية عام 2011، واستغرقت شهرين، واستطلعت رأي عينة عشوائية من 700 مصري حول الأغذية المعدلة وراثيا، كشفت نتائجها رفض 52% منهم لها، وأن 64% يعتقدون أنها ضارة بالصحة، في حين يرى 50% أن زراعاتها تضر البيئة. [2]

لربع القرن، وأنا أدرُس تقنيات الهندسة الوراثية والزراعة النسيجية وأدَرِّسُها، ولا يعني هذا أن أدافع عنها بحق وباطل، فهناك شركات عالمية ذات نفوذ واسع تقود تطوير هذه المنتجات، لا يهمها سوى الربح، تتدخل في مسار البحث العلمي بهذا المجال، بل تحجر على كشوفه العلمية إذا اعترضت مصلحتها.

وصلت قوة هذه الشركات إلى حد المطالبة -عن طريق علمائها- بسحب مقال نشرته دورية Nature في سبتمبر 2012 تناول دراسة ذكرت أن الذرة المعدلة وراثيا تسببت في إصابة فئران التجارب بالأورام. أثارت المقالة الصاعقة الكثير من الجدل حول سلامة الأغذية المعدلة وراثيا، وبعد الكثير من الانتقادات والتحقيقات التي استمرت عاما كاملاً، تم سحب الدراسة بذريعة أن مضمونها دون المستوى العلمي.[3]

مضار راجحة ومنافع مرجوحة

والقاعدة العقلية تقرر: عدم العلم بالشيء ليس علمًا بعدمه، أي أن غياب الدليل على ضرر الأغذية المعدلة وراثيا لا يجزم بمأمونيتها، فثَم احتمال قوي بخطرها على المدى البعيد، ومثلا، أكدت اللجنة العلمية للاتحاد الأوروبي أن للحوم الأبقار المعالجة بهرمون النمو، وألبانها تأثيرًا مسرطنًا، وخاصة بالبروستاتا وبالثدي.

وفى مسح شامل قمت به للبيانات العلمية المنشورة عن أمن الأطعمة المعدلة وراثيا ضمن أحد مشاريعي البحثية بالجامعة، اكتشفت أن القليل منها الذي أجري بطريقة تجريبية، وكان معظم الباحثين يشيرون إلى اعتقاد شخصي بأنها آمنة.

في رأيي ينطوي التعديل الوراثي على سلبيات محتملة ومخاطر، منها إمكانية انتقال الجينات من النباتات المعدلة وراثيا إلى الإنسان أو الحيوان، أو إلى الأصناف البرية للنباتات ذاتها، واحتمال زيادة مقاومة الآفات للسموم المنتجة من النباتات المعدلة وراثيا، وإمكانية تأثير تلك السموم في النباتات المعدلة وراثيا على كائنات حية غير مستهدفة، ناهيك عن فقدان الطعم والرائحة الأصليين للعديد من المحاصيل.‏

وأضرار هذه النباتات لا تظهر على الفرد مباشرة بعد أكلها، بل تتأخر لمدد تمتد إلى سنوات. ولا تزال الكثير من هذه الأضرار محل جدل بين المنتجين والوكالات الصحية.

طالع مزيدا من المقالات كتبها خبراء بالمجال من مختلف بقاع العالم سيمكنك مناقشتهم عبر الحلقة النقاشية
هناك اعتقاد قوي بأن الأغذية المعدلة وراثيا تمثل تهديدا قويا للجنس البشري. وثمة أبحاث تربطها ببعض الأمراض، مثل المناعة الذاتية والحساسية. والوكالة الأسترالية للصحة وحفظ الغذاء أجرت دراسة في نوفمبر 2008، عرضت في مؤتمر بفيينا، كشفت أن الفئران التي تغذت على أطعمة معدلة وراثيا حققت معدلات أوزان وخصوبة أقل من الطبيعي، وزادت نسبة نفوقها خمسة أضعاف. كما قل الوزن عند ولادتها وفقدت القدرة على التناسل، وتلفت الحيوانات المنوية لدى ذكورها. وذكرت الدراسة أن مزارعين في الولايات المتحدة اشتكوا مشاكل في خصوبة الخنازير والأبقار التي تغذت على ذرة معدلة وراثيا.[4]

تدابير غائبة وحلول مهجورة

إن التشريعات التي سنت في جميع أنحاء العالم، لتنظيم وجود الكائنات المعدلة وراثيا في المحاصيل والمكونات الغذائية، استلزمت تطوير طرق موثوق بها وحساسة للكشف عنها. ومن أسف لم يتم قبول أي تقنية يمكن الاعتماد عليها كليا؛ نتيجة لعدم وجود تقنيات قياسية لأخذ العينات، ولعدم وجود معايير مراقبة موثوق بها.

والعديد من القضايا التي يتعين حلها في هذا الصدد يحتاج إلى تحليل الأغذية المُنتَجة باستخدام التقنية الحيوية وتوسيمها. والمختبرات المختصة بالكشف تتعامل تجاريا مع أكثر من 150 كائنا معدلا وراثيا، وتحتاج البلدان المختلفة آلية لتوفيق هذا الوضع المعقد.

من هنا، أرى تأسيس اختبارات قياسية تتسم بالسرعة والفعالية والتكلفة المنخفضة عند الكشف عن الأغذية والأعلاف المعدلة وراثيا، وتحديدها، وتقييم سلامتها الحيوية بمنطقتنا. وتقديري أن يعزز هذا القدرات المحلية، كما أن تبادل المعلومات في مجال السلامة الأحيائية يؤدي إلى إنشاء منصة لمناولة وإدارة الكشف عن الكائنات المعدلة وراثيا، وتوحيد إجراءات الكشف والتحليل على مستوى المنطقة.

إن تقدير كل من المنافع والمضار قد يحتاج مدة طويلة نسبيا لإجراء الدراسات الكافية، وحتى يتم هذا، يجب ألا يجري تداول أي منتجات مهندسة وراثيا إلا بعد المرور بفترة اختبار؛ أسوة بالإجراءات اللازمة لطرح أي مستحضر طبي بالأسواق.

التجارب الواقعية أثبتت أن الشعوب الجائعة لا تحتاج إلى أطعمة معدلة وراثيا؛ لأن الناس تجوع بسبب الفقر لا لقلة الطعام. وهناك طرق أخرى فعالة لحل مشكلة الجوع وسوء التغذية، بعيدا عن التعديل الوراثي.

إن المرء يحار؛ لمَ نهدر الأموال الطائلة على رواتب الباحثين، وتمويل المختبرات والتجارب الميدانية والمؤتمرات المهنية، ونصر على حل المشكلات الغذائية بأكثر الطرق كلفة وتعقيدا؛ في حين أن الحلول المجدية لهذه المشكلة متوافرة في أيدي الجميع فعليا؟

سيظل الجدل محتدمًا بين المعارضين والمؤيدين، وإلى أن يفصل العلم بينهما، أكرر: يجب ألا يجري تداول أي منتجات مهندسة وراثيا إلا بعد المرور بفترة اختبار.


 
طارق قابيل أستاذ التقنية الحيوية المساعد بكلية العلوم والآداب ببلجرشي، جامعة الباحة –المملكة العربية السعودية. متخصص في الوراثة الجزيئية والتكنولوجيا الحيوية بكلية العلوم، جامعة القاهرة –جمهورية مصر العربية. مستشار منظمة المجتمع العلمي العربي.



هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط، وهو ضمن نقاش تطرحه النسخة الدولية لموقع SciDev.Net عن الأغذية المعدلة وراثيا
 



المراجع

[1] خريطة قوانين توسيم الأغذية المهندسة وراثيا (مركز سلامة الأغذية، 2013)

[2] صقر، محمود، وعلي، دعاء. رأى المصريين في الأغذية المعدلة وراثيا (اتحاد مجالس البحث العلمي العربية، 2011).

 

إعادة نشر المقال:
نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.