نقرن العلم بالتنمية عبر الأخبار والتحليلات

حول العالم العربي.. مقاربات للحد من فاقد الغذاء
  • حول العالم العربي.. مقاربات للحد من فاقد الغذاء

حقوق الصورة: Ikhlasul Amal

Shares
يقدم مجدي سعيد إطلالة على واقع الهدر في غذاء العالم العربي، وأسبابه، ويصف شيئا من حل هذه المشكلة.

تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن العالم يفقد سنويا 1.3 مليار طن من الغذاء؛ أي ما يناهز ثلث الطعام المنتج للاستهلاك الآدمي. ولا تقتصر الآثار السلبية لهذا الهدر على الجانب المالي وحسب، بل تفضي إلى مشاكل بيئية. [1]

ويتسبب فقدان الغذاء في أكبر خسارة للموارد، من ماء وتربة وطاقة وعمالة ورأس مال، ويهدر ما استُهلك في إنتاجه من أسمدة ومبيدات، ويُضَيِّع وقود نقله. والغذاء الفاسد ضالع في زيادة انبعاثات الميثان؛ الأشد ضررا وتأثيرا في تغير المناخ، ومن ثم يرفع يوم البيئة العالمي شعار: فكِّر.. كُلْ.. وفِّر.
 
الفاقد في غذاء البلدان الفقيرة بالعالم العربي غالبا ما يقع نحو 65% منه في مراحل الإنتاج الأولى، وما بعد الحصاد، والمعالجة والتجهيز. ويرجع ذلك إلى القيود المالية والإدارية والتقنية المفروضة على تقنيات الحصاد، والتخزين، ومرافق التبريد. [1،2]
 
معالم الهدر

ويفضي سوء تخزين ونقل السلع الغذائية بالمنطقة إلى خسارة حوالي 15% من الحبوب، و30% من الألبان، و40% من الأسماك، و50% من الخضروات والفاكهة والأغذية سريعة التلف، كما جاء على لسان الهادي يحيى؛ المستشار الإقليمي للصناعات الغذائية والبنية التحتية بمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة. [3]
 
يؤدي هذا الفاقد -المضاف للنقص الأصلي للموارد- إلى أن تكون دول المنطقة هي الأكثر استيرادا لاحتياجاتها الغذائية في العالم، فتصل نسبة ما تستورده بعض الدول العربية منها إلى قرابة 40%، في حين تستورد دول أخرى نحو 90% مثل الإمارات ودول الخليج لعدم وجود مقومات الزراعة لديها، وكذلك ليبيا تستورد نحو 85% من احتياجها، أما مصر فقد بلغت وارداتها للوفاء باحتياجاتها من الغذاء نحو 45%.   

وإذا وضعنا الزيادة السنوية في تعداد سكان المنطقة، مع نقص الإنتاج الزراعي بسبب الجور على الأراضي الزراعية الناتج عن زحف المدن والتصحر، إضافة إلى تضاؤل إمدادات المياه، أصبحنا أمام مشكلة تتعلق بالأمن الغذائي العربي.
 
في إطار الحلول، يطرح يوم البيئة 2013 ضرورة أن تأخذ الحكومات العربية، والقطاعان الاستثماري والتعاوني، إجراءات تعزز كفاءة سلسلة التوريد الغذائي، عبر دعم المزارعين والاستثمار في البنى التحتية والنقل، وعبر التوسع في تصنيع الغذاء وتعبئته وتغليفه.
 
على سبيل المثال، في إطار سعي الحكومة المصرية إلى الاكتفاء الذاتي من القمح، جاءت زيادة توريده هذا العام، كاشفةً عن استفحال مشكلة عدم كفاءة صوامع التخزين أو كفايتها، ومن ثم مدى الاحتياج إلى تمويل مشروعات لإنشاء صوامع إضافية حديثة لتخزين الغلال.
 
وفاقد الغذاء في العالم العربي له شكل آخر يأتي من أنماط استهلاك الغذاء، خاصة في دول الخليج حيث يرتفع مستوى دخل الفرد؛ إذ يُفقد الغذاء في المراحل الأخيرة من سلسلة التوريد، عكس الحاصل في البلدان النامية.
 
مثلاً، تشير دراسة عن استهلاك الطعام والفاقد منه بالكويت (سبتمبر 2012) إلى أن 52% من العينة المبحوثة (1300 أسرة كويتية ومن العرب المقيمين بالكويت) يشترون أكثر من احتياجاتهم من الغذاء، بينما 60% لديهم بالفعل طعام أكثر من احتياجاتهم، وأفاد 15% فقط أنه لا تفيض أطعمة على موائدهم. [4]
 
هذه بعض مؤشرات الهدر في استهلاك الأسر للطعام، ولا تتوافر مؤشرات مماثلة عن حجم الهدر من الطعام في الفنادق أو المطاعم وقاعات الحفلات، وسائر أماكن استهلاك الطعام.
 
وفي مقابل إهدار الغذاء وزيادة الفضلات الغذائية، يطرح موقع اليوم العالمي للبيئة 2013 مفهوم "الاستهلاك المستدام"، وهو أن تفعل أكثر بما هو أقل، بما يعني ترشيد سلوكيات استهلاك الغذاء وتداوله، والوصول إلى مستوى حياة أفضل عبر حلول إبداعية لمشكلات الفاقد الغذائي. [5]
 
كثير من السلع الغذائية يجري تداولها في الإطار الأهلي -خاصة الفواكه والخضروات- بشكل يفتقر إلى الفكر والآليات المتطورة في جميع مراحل التداول، من ثم تأتي أهمية التعرف على أفكار وتجارب أهلية، يمكن أن تعطي مفاتيح للإسهام في خفض المهدر من الغذاء، إلى جانب أدوار الحكومات والأفراد.
 
نماذج تحتذى

من تلك التجارب: تجربة قرية شماس، إحدى أفقر عشر قرى في مصر بحسب أحد تقارير التنمية البشرية للمحافظات المصرية التي أصدرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالاشتراك مع وزارة التنمية المحلية عام 2003.
 
تعيش شماس على الرعي والزراعة القائمة على الأمطار. وعلى أرض هذه القرية الممتدة على مساحة 100 كم مربع، وتسكنها 299 أسرة، تنبت ثمار التين على ماء المطر، وتمثل 62% من مزروعات القرية، ويبيع تجارها 70% من المحصول، بينما يتركون 30% منه ملقى على الأرض؛ نظرا لصغر حجمه، وتدني قيمته الاقتصادية، ومن ثم يمثل هدرًا في أحد أهم الموارد الغذائية بالقرية. [6]
 
دفع هذا الجمعية المصرية للتنمية الذاتية للمجتمعات المحلية إلى التدخل؛ لمساعدة أبناء القرية على استثمار ذلك المورد المهدر.
 
قام خبراء الجمعية ورئيسها د. حامد الموصلي -الأستاذ المتفرغ بكلية الهندسة، جامعة عين شمس- بمساعدة أبناء القرية، بتعليمهم تقنيات تصنيع مربى التين، وأعانوهم على تخصيص حجرات خاصة بمنازلهم تلبي الشروط الصحية لعملية الإنتاج، وحصلوا لهم على شهادة اعتماد دولية لمطابقة هذا المنتج العضوي لمتطلبات السوق العالمي، حتى تمكنوا من تصديره. [6]
 
هذا النموذج يمكن إعادة تطبيقه للانتفاع بملايين الأطنان من الخضر والفواكه التي تنتجها الحقول العربية، وتُهدر لأنها غير مناسبة للبيع المباشر.[7] وليس ثَمةَ دراسات دقيقة لتقدير تلك الكميات، والتي إذا أجريت، يمكن -تأسيسا على نتائجها وتوصياتها- وضع استراتيجيات لتصنيع هذه المحاصيل، مما يسهم في خلق فرص للعمل، وفي تحويل القرى العربية الفقيرة إلى قرى منتجة.
 
الخلاصة، لحل مشكلة الهدر في الغذاء لدينا مسارات ثلاثة؛ أولها يرتبط بإصلاح منظومة سلسلة التوريد وتطويرها، وهو جهد يقع بالأساس على الحكومات، ويمكن أن يعاونهم فيه القطاعان: الاستثماري والتعاوني.
 
ثانيها يرتبط بتعديل نمط الاستهلاك داخل البيوت، ويتم عبر التوعية، وداخل المحال العامة لتداول الغذاء، وربما تجدي فيه حوافز مجتمعية للأكثر توفيرا منها.
 
أما المسار الثالث فهو تعليم الناس كيف يحسنون استثمار جزء من الفاقد، خاصة للسلع سريعة التلف، بتعليمهم تقنيات تجهيز الغذاء، وهو جهد يقع بشكل أكبر على المؤسسات الأهلية.

رئيس تحرير الطبعة العربية من مجلة Nature



المراجع

[1]يوم البيئة العالمي2013 . إهدار الطعام (UN, 2012)
 
[2] منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة. المنظمة وشركاؤها يستحثون على تصعيد الجهود لتقليص الهدر الغذائي. (2012، FAO )
 
[3] المكتب الإقليمي للشرق الأدنى وشمال أفريقيا لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة: أخبار اليوم المصرية. سوء النقل والتخزين يهدر 2,5 مليون طن قمح سنويا (2012، FAO )
 
[4] الجمل، علي و باجنيد، محسن. استهلاك الطعام والإسراف بالكويت. المراجعة الدولية لأبحاث الأعمال (en، 2012).
 
[5] يوم البيئة العالمي2013. الاستهلاك المستدام (UNEP, en)
 
[6] الموصلي، حامد. مشروع قرية شماس لصناعة مربى التين: نموذج تنمية أصيلة (نشرة شبكة المهندسين والعلماء للمسئولية العالمية، 2005)
 
[7] براكتيكال أكشن: مجموعة تنمية التكنولوجيا الوسيطة. من تقنيات تجهيز الغذاء (en)

إعادة نشر المقال:
نشجعكم على إعادة نشر هذه المقالة على الإنترنت أو عبر الإعلام المطبوع، فهو متاح لدينا مجانًا تحت رخصة المشاع الإبداعي، ولكن يُرجى اتباع بعض الإرشادات البسيطة:
  1. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لكاتبها.
  2. يرجى الحفاظ على نسبة المادة لـشبكة SciDev.Net - وحيثما أمكن إدراج شعارنا مع وصلة الى المقال الأصلي.
  3. يمكنك ببساطة إدراج الأسطر القليلة الأولى من هذه المقالة ثم إضافة: "يمكن قراءة المقال كاملا على SciDev.Net" متضمنة رابطًا للمقال الأصلي.
  4. إذا كنت تريد أيضا أخذ الصور المنشورة في هذه المقالة، ستحتاج إلى التنسيق مع المصدر الأصلي لها إذا كان يمكنك استخدامها.
  5. أسهل طريقة للحصول على هذه المادة على موقع الويب الخاص بك هو تضمين الكود الموجود أدناه.
لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع فيموقعنا على محددات وسائل الإعلام وإعادة النشر.